واشنطن- المنشر_الاخباري
أشعلت تصريحات وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير موجة جديدة من الجدل السياسي، بعدما تحدث علناً عن ضرورة تنفيذ عمليات قتل متكررة في قطاع غزة، داعياً إلى استهداف عشرات الأشخاص كل ليلة، في تصريحات أثارت انتقادات حادة داخل الولايات المتحدة وخارجها.
وكانت السيناتورة الديمقراطية إليسا سلوتكين من أبرز الأصوات الأميركية التي خرجت سريعاً لإدانة التصريحات، ووصفتها بأنها عنيفة ومجردة من الإنسانية ومقززة، معتبرة أن استمرار بن غفير في منصب حكومي يمثل جانباً مخزياً من حكومة بنيامين نتنياهو.
دعوة صريحة لتوسيع دائرة القتل
جاءت تصريحات بن غفير خلال مقابلة في بودكاست، حيث عبّر عن اعتراضه على تقليص العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، وقال إنه يفضّل تنفيذ ما وصفه بعمليات اغتيال تستهدف بين 30 و40 شخصاً كل ليلة.
والأكثر إثارة للجدل أن حديثه لم يقتصر على الأشخاص الذين يشكلون تهديداً عسكرياً مباشراً، بل تضمن عبارات تنزع عن فلسطينيين في غزة صفة الإنسانية، وفق ما نقلته تقارير إعلامية عن المقابلة. كما دعا إلى إعادة الاستيطان الإسرائيلي في القطاع وتشجيع الفلسطينيين على مغادرته.
وتحولت هذه التصريحات إلى قضية سياسية وقانونية وأخلاقية، لأنها تطرح سؤالاً أساسياً حول الحدود التي يمكن أن تصل إليها العمليات العسكرية، وحول التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين في مناطق مكتظة بالسكان.
سلوتكين تفتح جبهة جديدة داخل واشنطن
لم تكتفِ سلوتكين بانتقاد التصريحات، بل دعت إلى إبعاد بن غفير عن أي منصب حكومي، مؤكدة أن من يهتم بحياة المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء يجب أن يدين هذا النوع من الخطاب.
ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه ملف غزة من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل الولايات المتحدة، حتى بين السياسيين الذين يؤيدون استمرار العلاقات الوثيقة مع إسرائيل.
واللافت أن تصريحات سلوتكين تأتي من داخل المؤسسة السياسية الأميركية نفسها، وليس من جماعة ناشطة أو جهة خارج النظام السياسي. ولذلك فإنها تضيف وزناً إلى النقاش المتصاعد حول مستقبل الدعم الأميركي للسياسات الإسرائيلية في غزة.
لكن موقف سلوتكين ليس بلا جدل
ورغم انتقادها الحاد لبن غفير، فإن سجل سلوتكين تجاه إسرائيل وغزة أكثر تعقيداً من مجرد موقفها الأخير.
ففي عام 2025، أصدرت بياناً بشأن تصويتات في مجلس الشيوخ مرتبطة بصفقات أسلحة لإسرائيل، وقالت إنها كانت ستؤيد إجراءات لوقف بعض الأسلحة الهجومية بسبب مخاوفها من وصول الغذاء والدواء إلى المدنيين في غزة.
وفي الوقت نفسه، تعرضت مواقفها السابقة لانتقادات من منظمات مؤيدة للفلسطينيين، ما يعكس التناقضات الموجودة داخل السياسة الأميركية تجاه الحرب.
ولهذا فإن أهمية تصريحها الحالي لا تكمن فقط في عباراته القوية ضد بن غفير، وإنما في أنه يأتي ضمن تحول أوسع في الخطاب السياسي الأميركي حول حماية المدنيين في غزة.
لماذا أثارت تصريحات بن غفير كل هذا الغضب؟
لأن الدعوة إلى قتل أشخاص لمجرد انتمائهم إلى منطقة أو جماعة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد موقف سياسي متشدد.
القانون الدولي الإنساني يفرض مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات المتعمدة على المدنيين. ولذلك فإن أي تصريحات تدعو إلى قتل أشخاص لا يشاركون مباشرة في القتال يمكن أن تثير أسئلة قانونية خطيرة.
كما أن استخدام لغة تنزع الإنسانية عن مجموعة من السكان يزيد المخاوف من تطبيع العنف الجماعي وتحويل المدنيين إلى أهداف سياسية أو عسكرية.
وقد أشارت تقارير صحفية إلى أن تصريحات بن غفير أثارت انتقادات واسعة، خصوصاً في ظل استمرار الأزمة الإنسانية في غزة.
غزة في قلب المعركة السياسية الأميركية
المواجهة الحالية لا تدور فقط في غزة، بل امتدت إلى واشنطن.
فمنذ اندلاع الحرب، شهدت الولايات المتحدة نقاشاً متزايداً بشأن حجم المساعدات العسكرية لإسرائيل، وشروط استخدامها، ومدى قدرة الإدارة الأميركية على التأثير في قرارات الحكومة الإسرائيلية.
وفي الكونغرس، أصبح بعض الديمقراطيين أكثر صراحة في المطالبة بحماية المدنيين، بينما لا يزال آخرون يؤكدون استمرار دعم إسرائيل وحقها في الدفاع عن نفسها.
وهذا الانقسام يعكس تغيراً مهماً في المشهد السياسي الأميركي، حيث لم يعد من الممكن التعامل مع حرب غزة باعتبارها قضية خارجية بعيدة عن السياسة الداخلية.
تصريحات قد تزيد الضغوط على نتنياهو
بن غفير جزء أساسي من الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، ولذلك فإن تصريحاته لا تُقرأ باعتبارها كلمات صادرة عن شخصية سياسية هامشية.
فوجود وزير بهذا الوزن داخل الحكومة، مع تبنيه مواقف متشددة بشأن غزة، يجعل تصريحاتِه جزءاً من النقاش حول طبيعة الحكومة الإسرائيلية واتجاهاتها المستقبلية.
ومن جهة أخرى، فإن الانتقادات القادمة من مسؤولين أميركيين قد تزيد الضغوط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خصوصاً إذا تحولت تصريحات الوزراء المتشددين إلى مصدر أزمة مع واشنطن.
وهنا تظهر معادلة صعبة: نتنياهو يحتاج إلى الحفاظ على تماسك ائتلافه السياسي، لكنه في الوقت نفسه يحتاج إلى الحفاظ على علاقته بالولايات المتحدة، التي تمثل الحليف الدولي الأهم لإسرائيل.
السؤال الأكبر: هل تتغير السياسة أم يبقى الكلام مجرد إدانة؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية.
فالإدانة السياسية، مهما كانت قوية، لا تكفي وحدها لتغيير واقع الحرب.
السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت واشنطن ستنتقل من انتقاد التصريحات إلى استخدام أدواتها السياسية والدبلوماسية للضغط على الحكومة الإسرائيلية بشأن سلوكها في غزة.
وهنا تكمن المفارقة: في الوقت الذي يخرج فيه سياسيون أميركيون لانتقاد تصريحات بن غفير، لا تزال العلاقة الأميركية الإسرائيلية قائمة على تعاون سياسي وأمني واسع.
وبالتالي، فإن تأثير هذه التصريحات على أرض الواقع سيعتمد على ما إذا كانت ستؤدي إلى إجراءات ملموسة، أم ستبقى في إطار الإدانات الإعلامية.
غزة بين الحرب والسياسة
تكشف أزمة بن غفير مرة أخرى أن الحرب على غزة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت اختباراً للسياسة الدولية وللمعايير التي تتحدث عنها الحكومات الغربية بشأن حماية المدنيين وحقوق الإنسان.
وفي حين يرى مؤيدو إسرائيل أن أمنها يتطلب استمرار العمليات ضد الفصائل المسلحة، يطالب منتقدون بضرورة وضع حماية المدنيين في مقدمة الأولويات، ورفض أي خطاب يدعو إلى قتل جماعي أو تهجير السكان.
أما تصريحات بن غفير الأخيرة فقد أعادت هذا الجدل إلى الواجهة بقوة، خصوصاً بعدما جاءت إدانتها من شخصية بارزة داخل مجلس الشيوخ الأميركي.
وفي المحصلة، فإن القضية لم تعد تتعلق فقط بما قاله وزير إسرائيلي، بل بالسؤال الأوسع: إلى أي مدى ستسمح الولايات المتحدة باستمرار خطاب سياسي يدعو إلى توسيع الحرب، بينما تؤكد في الوقت نفسه التزامها بحماية المدنيين والسعي إلى إنهاء الصراع؟
ومع استمرار الحرب، ستبقى الإجابة عن هذا السؤال واحدة من أهم المؤشرات على مستقبل العلاقة بين واشنطن وحكومة نتنياهو، وعلى مستقبل السياسة الأميركية تجاه غزة والقضية الفلسطينية.











