واشنطن- المنشر_الاخباري
وجّه السيناتور الأميركي مارك وارنر، نائب رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، انتقاداً حاداً لاستمرار الحرب مع إيران، محذراً من أن إطالة أمد المواجهة تفرض كلفة متزايدة على الولايات المتحدة، سواء على مستوى سلامة القوات الأميركية أو الاقتصاد أو الجاهزية العسكرية.
وفي رسالة سياسية لافتة، تساءل وارنر عن المدة التي يمكن أن تستمر فيها الحرب، في موقف يعكس تصاعد النقاش داخل واشنطن حول جدوى العمليات العسكرية، والنتائج التي حققتها حتى الآن، وما إذا كانت الإدارة الأميركية تمتلك بالفعل استراتيجية واضحة لإنهاء الصراع.
وقال وارنر إن استمرار الحرب يعني تعرض العسكريين الأميركيين لمزيد من المخاطر، وارتفاع الأسعار بالنسبة للمواطنين، وتراجع مستويات الجاهزية للأمن القومي. وهي انتقادات تضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام اختبار سياسي متزايد، خصوصاً مع دخول المواجهة مرحلة طويلة من الاستنزاف.
قلق متزايد داخل واشنطن
أهمية تصريحات وارنر لا ترتبط فقط بكونه عضواً بارزاً في مجلس الشيوخ، بل أيضاً بموقعه داخل لجنة الاستخبارات، حيث يطلع أعضاء القيادة في اللجنة على تقييمات أمنية واستخباراتية تتعلق بالتهديدات التي تواجه الولايات المتحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن التحذير من تراجع الجاهزية العسكرية واختلال الأولويات الأمنية يعكس مخاوف تتجاوز الخلاف السياسي التقليدي.
فالحروب الممتدة تستهلك الذخائر والمعدات، وتفرض على الولايات المتحدة نشر مزيد من القوات لحماية قواعدها ومنشآتها، كما تتطلب موارد مالية ضخمة يمكن أن تكون مطلوبة في ملفات أمنية أخرى حول العالم.
وهذا يفتح نقاشاً داخل المؤسسة الأميركية حول سؤال أساسي: هل تستطيع واشنطن مواصلة حرب طويلة مع إيران دون أن تدفع ثمناً استراتيجياً أكبر من المكاسب التي تسعى إلى تحقيقها؟
الاقتصاد الأميركي في دائرة التأثير
الجانب الاقتصادي يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في هذه المواجهة.
فالشرق الأوسط لا يزال محوراً رئيسياً في منظومة الطاقة العالمية، وأي تصعيد واسع يمكن أن يؤثر في حركة النفط والغاز والشحن والتأمين، وبالتالي في الأسعار التي يدفعها المستهلك الأميركي.
ارتفاع أسعار الوقود لا يبقى محصوراً في محطات البنزين، بل يمكن أن ينتقل إلى تكاليف النقل والصناعة والغذاء والخدمات، ما يزيد الضغوط على الأسر الأميركية.
كما أن استمرار الحرب يفرض تكاليف مباشرة على الميزانية الأميركية، سواء من خلال العمليات العسكرية أو إعادة تزويد القوات بالذخائر أو تعزيز الدفاعات حول المنشآت والقواعد المنتشرة في المنطقة.
ولهذا ركز وارنر على الأسعار إلى جانب الخسائر العسكرية، في إشارة إلى أن تداعيات الحرب أصبحت تمس الحياة اليومية للمواطن الأميركي.
غياب رؤية واضحة لنهاية الصراع
المشكلة الأكثر تعقيداً بالنسبة لإدارة ترامب تتمثل في تحديد النتيجة السياسية النهائية التي تريد الوصول إليها.
فالقوة العسكرية يمكن أن تلحق أضراراً بالبنية التحتية والمنشآت العسكرية، لكنها لا تضمن وحدها تحقيق تغيير سياسي مستدام.
كما أن استمرار الضربات المتبادلة قد يدفع الطرفين إلى رفع سقف الردود تدريجياً، بما يجعل العودة إلى التهدئة أكثر صعوبة.
ومن هنا، فإن الحديث عن «النصر» لا يمكن فصله عن السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد انتهاء العمليات العسكرية؟
هل ستعود الأطراف إلى طاولة المفاوضات؟ وهل يمكن التوصل إلى اتفاق جديد؟ وهل تستطيع واشنطن ضمان أمن قواتها وحلفائها من دون استمرار العمليات؟ وهل ستقبل طهران بأي ترتيبات جديدة بعد تعرضها لضغوط عسكرية واقتصادية؟
هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة.
إيران تراهن على الصمود
في المقابل، تؤكد طهران أن الضغوط العسكرية والاقتصادية لن تجبرها على التخلي عن سيادتها أو قبول ما تعتبره إملاءات خارجية.
وتعتمد إيران في مواجهتها على مزيج من القدرات العسكرية المحلية، وشبكة من العلاقات الإقليمية، والقدرة على تحمل العقوبات، إضافة إلى امتلاكها موقعاً جغرافياً يجعل أي صراع معها ذا تأثير مباشر على أمن المنطقة وأسواق الطاقة.
وتقول السلطات الإيرانية إن أي اعتداء على أراضيها يمنحها الحق في الدفاع عن نفسها، بينما تعتبر أن استمرار الضغط الأميركي يؤكد ضرورة تعزيز قدراتها الدفاعية والاقتصادية.
خطر اتساع الحرب
لا تكمن خطورة الصراع في المواجهة المباشرة بين واشنطن وطهران فقط.
فالمنطقة تضم قواعد أميركية ومنشآت حيوية وممرات بحرية استراتيجية، كما توجد أطراف إقليمية متعددة قد تتأثر بأي تصعيد جديد.
ولهذا فإن ضربة واحدة قد تؤدي إلى سلسلة من الردود، وربما تفتح مسارات جديدة للمواجهة، ما يرفع احتمال تحول الحرب إلى أزمة إقليمية أوسع.
كما أن اضطراب الملاحة أو إمدادات الطاقة يمكن أن تكون له انعكاسات عالمية، خصوصاً في ظل اعتماد عدد كبير من الاقتصادات على استقرار أسواق النفط والغاز.
رسالة سياسية إلى ترامب
تصريحات وارنر تمثل في جوهرها رسالة مباشرة إلى البيت الأبيض: الحرب ليست مجرد عملية عسكرية يمكن استمرارها إلى أجل غير محدد، بل قرار له ثمن بشري واقتصادي واستراتيجي.
ومع استمرار القتال، قد تجد إدارة ترامب نفسها أمام ضغوط متزايدة من داخل المؤسسة السياسية الأميركية، ليس فقط من المعارضين التقليديين، وإنما أيضاً من مسؤولين ينظرون إلى الحرب من زاوية المصالح الأميركية المباشرة.
فإذا استمرت أسعار الطاقة في الارتفاع، واستمرت الخسائر العسكرية، وتزايد استنزاف المخزونات الدفاعية، فقد يصبح السؤال داخل الولايات المتحدة أكثر إلحاحاً: هل تحقق الحرب أهدافها، أم أنها تتحول إلى نزاع استنزاف مفتوح؟
اللحظة الحاسمة
المواجهة مع إيران باتت اختباراً كبيراً للسياسة الخارجية الأميركية.
فواشنطن أمام خيارين رئيسيين: مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي مع تحمل مخاطره، أو فتح مسار تفاوضي يمكن أن يؤدي إلى خفض التصعيد ووضع حدود واضحة للصراع.
وبغض النظر عن الموقف من إيران أو من سياسات إدارة ترامب، فإن التحذير الذي أطلقه سيناتور بارز من داخل المؤسسة الأمنية الأميركية يعكس حقيقة مهمة: استمرار الحرب له تكلفة، وهذه التكلفة لا يدفعها الخصم وحده، بل تصل أيضاً إلى الاقتصاد والمجتمع والجيش الأميركي.
ومع اتساع الجدل في واشنطن، يبقى السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع إدارة ترامب تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية، أم أن استمرار الحرب سيجعلها أمام أزمة أكبر من تلك التي حاولت حلها؟











