واشنطن – المنشر_الاخباري
بينما يسعى البنتاغون إلى نفي التقارير التي تتحدث عن تراجع خطير في مخزونات الأسلحة الأمريكية، تكشف سلسلة من التقارير العسكرية والصحفية أن الحرب مع إيران استنزفت كميات كبيرة من الصواريخ بعيدة المدى وذخائر الدفاع الجوي، ودفعت وزارة الدفاع إلى الضغط على شركات السلاح لتسريع الإنتاج وإعادة بناء المخزونات.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن الحديث عن نقص في الذخائر «غير صحيح»، مؤكدًا أن الجيش الأمريكي لا يزال يمتلك القدرة على تنفيذ العمليات التي يقررها الرئيس. ويتوافق ذلك مع تصريحات الرئيس دونالد ترامب، الذي رفض بدوره التقارير التي تشير إلى انخفاض المخزونات الأمريكية.
لكن خلف هذه التصريحات الرسمية، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا.
أرقام تكشف حجم الاستنزاف
أفادت رويترز في وقت سابق من أغسطس بأن الجيش الأمريكي استهلك خلال الحرب مع إيران معظم مخزونه العالمي من بعض الصواريخ طويلة المدى عالية الدقة، وهي ذخائر تعد من أهم عناصر القوة الضاربة الأمريكية في العمليات بعيدة المدى.
كما تشير تقارير وتحليلات مستقلة إلى استنزاف كبير في صواريخ الاعتراض، خصوصًا منظومتي باتريوت وثاد، اللتين تستخدمهما القوات الأمريكية لحماية القواعد والمنشآت والقوات في الشرق الأوسط.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن صواريخ الاعتراض لا يمكن التعامل معها باعتبارها ذخائر هجومية عادية؛ فوجود مخزون كافٍ منها يمثل عنصرًا أساسيًا في حماية القوات الأمريكية من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.
ووفق تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، فإن القتال مع إيران أدى إلى انخفاض إضافي في المخزونات الأمريكية التي كانت تواجه ضغوطًا حتى قبل الحرب. ويحذر التحليل من أن استمرار انخفاض المخزون قد يجبر القوات الأمريكية على اتخاذ قرارات أكثر صعوبة بشأن كيفية استخدام أنظمة الدفاع الجوي المتاحة.
لماذا يصر البنتاغون على نفي وجود أزمة؟
من المهم التمييز بين النقص الكامل وبين انخفاض المخزون إلى مستويات تفرض قيودًا على التخطيط العسكري.
فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك ترسانة ضخمة، ولا توجد مؤشرات على أنها عاجزة عن تنفيذ عمليات عسكرية كبيرة. لكن المشكلة تكمن في قدرة واشنطن على المحافظة على وتيرة استخدام مرتفعة لفترة طويلة، مع إبقاء احتياطي كافٍ للتعامل مع أزمات أخرى.
وهذا تحديدًا هو جوهر المخاوف التي أثارتها التقارير الأخيرة.
فقد أشارت تقارير إلى أن الاستهلاك الكبير للذخائر في إيران يمكن أن يؤثر في خطط الولايات المتحدة لمواجهة أزمات مستقبلية، بما في ذلك سيناريوهات محتملة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ووفق مسؤولين أمريكيين نقلت عنهم صحيفة وول ستريت جورنال، فإن إعادة بناء بعض المخزونات التي استُهلكت في الشرق الأوسط قد تستغرق سنوات.
الإنتاج العسكري يتحول إلى أولوية عاجلة
وفي الوقت الذي تنفي فيه واشنطن وجود أزمة، تتخذ وزارة الدفاع إجراءات تكشف حجم الاهتمام بالمخزونات.
فقد ضغط البنتاغون على شركات الصناعات الدفاعية لتقديم خطط ترفع الإنتاج بصورة كبيرة وتسرّع عمليات التسليم، في خطوة تأتي وسط مخاوف بشأن قدرة الصناعة الأمريكية على مواكبة الاستهلاك العسكري.
والأكثر دلالة أن البحرية الأمريكية منحت شركة رايثيون عقدًا تصل قيمته إلى 22.9 مليار دولار على مدى سبع سنوات، بهدف زيادة إنتاج صواريخ توماهوك من نحو 60 صاروخًا سنويًا إلى أكثر من ألف صاروخ سنويًا.
هذه الأرقام تكشف أن واشنطن لا تتعامل مع قضية الذخائر باعتبارها مشكلة إعلامية عابرة، بل باعتبارها ملفًا صناعيًا وعسكريًا طويل الأمد.
المشكلة أقدم من حرب إيران
ولا تعود الضغوط على مخزونات الأسلحة الأمريكية إلى الحرب الحالية وحدها.
فقد تراكمت خلال السنوات الماضية نتيجة استخدام الذخائر في مناطق متعددة، إلى جانب المساعدات العسكرية الكبيرة التي قدمتها واشنطن لحلفائها.
ويرى محللون أن حرب إيران كشفت مشكلة أعمق تتعلق بنموذج الصناعة الدفاعية الأمريكية نفسه: أسلحة شديدة التعقيد والتكلفة، لكن إنتاجها بكميات كبيرة يحتاج إلى وقت طويل وسلاسل إمداد متخصصة.
وهذا يعني أن واشنطن تستطيع استخدام آلاف الصواريخ خلال فترة قصيرة، لكنها لا تستطيع بالضرورة إعادة إنتاج العدد نفسه بالسرعة ذاتها.
الاختبار الحقيقي هو «حرب الغد»
لهذا السبب، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل نفدت الذخائر الأمريكية؟
الإجابة هي لا.
السؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى تراجعت قدرة الولايات المتحدة على خوض حرب كبيرة أخرى بالتزامن مع استمرار استنزافها في الشرق الأوسط؟
فالقوة العسكرية لا تقاس فقط بعدد الطائرات والسفن والقواعد، وإنما أيضًا بعمق مخزون الذخائر والقدرة على تعويضها.
وإذا اضطرت واشنطن إلى تخصيص سنوات لإعادة بناء مخزوناتها، فقد يؤثر ذلك في حسابات الردع الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.
وهنا تكمن المفارقة: البنتاغون يستطيع أن يكون صادقًا عندما يقول إن الجيش الأمريكي لا يزال قادرًا على القتال، وفي الوقت نفسه تكون المخزونات قد تعرضت لاستنزاف حقيقي يستدعي تحركًا عاجلًا.
الحرب مع إيران، بهذا المعنى، لا تختبر فقط القوة النارية الأمريكية، بل تختبر قدرة الولايات المتحدة الصناعية على خوض صراع طويل دون استنزاف الأدوات التي تحتاجها لمواجهة أزمات مستقبلية.
وفي نهاية المطاف، قد تكون المعركة الأهم التي تخوضها واشنطن خلف خطوط القتال: معركة إعادة بناء ترسانة تستطيع مواصلة الحروب التي قد تأتي بعد حرب إيران.











