واشنطن – المنشر الإخباري
كشفت مئات الرسائل الإلكترونية الداخلية التابعة لهيئة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأميركية عن تفاصيل جديدة بشأن عمليات ترحيل مواطنين إيرانيين من الولايات المتحدة إلى إيران خلال عامي 2025 و2026، في وقت كانت فيه العلاقات بين واشنطن وطهران تتجه نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.
وتشير الوثائق، التي حصل عليها المجلس الوطني الإيراني الأميركي بموجب قانون حرية المعلومات، إلى أن مسؤولين أميركيين نسّقوا مع مسؤولين إيرانيين لترتيب ثلاث رحلات على الأقل أعادت أكثر من 100 إيراني إلى بلادهم. والأكثر إثارة للجدل أن المراسلات تظهر أن مسؤولين إيرانيين طلبوا في بعض الحالات تعديلات على قوائم المرحلين، فيما استجاب مسؤولون في هيئة الهجرة والجمارك الأميركية لبعض هذه الطلبات.
أوامر الترحيل وسط الحرب
تكمن حساسية القضية في توقيتها.
فخلال الحرب التي استمرت 12 يوماً في يونيو/حزيران 2025، كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تشنان ضربات على إيران، بينما كانت السلطات الأميركية نفسها تدرك أن المجال الجوي الإيراني مغلق وأن مواطنين إيرانيين يحاولون مغادرة البلاد.
وبحسب الوثائق، أصدر مسؤولون كبار في هيئة الهجرة توجيهات بجعل ترحيل الإيرانيين أولوية، رغم التحذيرات الداخلية من صعوبة تنفيذ عمليات الإعادة بسبب إغلاق المجال الجوي وعدم إصدار السلطات الإيرانية وثائق السفر المطلوبة بالسرعة اللازمة.
وتظهر المراسلات أن مسؤولاً في الهيئة وصف العملية بأنها “أولوية للبيت الأبيض”، فيما طُلب وضع خطة عاجلة لترحيل عشرات الإيرانيين المحتجزين ممن صدرت بحقهم أوامر نهائية بالإبعاد.
كما تشير بيانات حصل عليها المجلس الوطني الإيراني الأميركي في وقت سابق إلى ارتفاع كبير في توقيف الإيرانيين من جانب سلطات الهجرة الأميركية، إذ بلغ عدد المحتجزين الإيرانيين لدى الهيئة أكثر من 577 شخصاً وفق بيانات تعود إلى ديسمبر/كانون الأول 2025.
طهران شاركت في تحديد بعض الأسماء
ومن أكثر جوانب الوثائق إثارة للانتباه أن مسؤولين إيرانيين ظهروا في المراسلات باعتبارهم طرفاً مؤثراً في عملية تحديد بعض الأشخاص الذين سيجري ترحيلهم.
وفي إحدى الرسائل، أشار مسؤول في هيئة الهجرة إلى إضافة أسماء بناءً على طلب السفارة الإيرانية، بينما أظهرت رسائل أخرى أن الجانب الإيراني طلب تعديل قائمة سابقة وتسريع عملية الإبعاد. كما استمرت بعض الطلبات حتى الأيام الأخيرة التي سبقت إحدى الرحلات.
وهذه التفاصيل تثير تساؤلات قانونية وسياسية حساسة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص ربما كانوا يرفضون العودة أو لديهم طلبات لجوء أو مخاوف من التعرض للاضطهاد.
ولا تعني الوثائق، في حد ذاتها، أن جميع المرحلين أُعيدوا قسراً أو أن الحكومة الإيرانية اختارت كل الأسماء؛ فبعض التفاصيل المتعلقة بموافقة الأفراد أو رفضهم لا تزال غير واضحة.
رحلة عبر قطر وحادثة المسافر “غير الموجود”
غادرت إحدى الرحلات الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2025 متجهة إلى قطر، حيث نُقل 54 إيرانياً إلى طائرة تابعة للخطوط الجوية القطرية لمواصلة الرحلة إلى طهران.
لكن الوثائق تكشف عن واقعة لافتة: مسؤولون أميركيون اكتشفوا أن شخصاً إيرانياً كان على متن الرحلة رغم أنه لم يكن مدرجاً في قائمة الركاب النهائية التي أُرسلت إلى السلطات القطرية.
ووفق المراسلات، عبّر أحد المسؤولين عن عدم معرفته بكيفية صعود الشخص إلى الطائرة، قبل أن ينتهي به الأمر إلى إيران.
هذه الواقعة تفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول آليات التدقيق والرقابة على عمليات الترحيل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأشخاص قد تكون عودتهم إلى بلدهم ذات تبعات أمنية أو سياسية.
لماذا كان مكتب الهجرة في تل أبيب مشاركاً؟
وثائق المجلس الوطني الإيراني الأميركي تسلط الضوء أيضاً على الدور غير المعتاد لموظف تابع لهيئة الهجرة والجمارك الأميركية في مكتب تابع للسفارة الأميركية في تل أبيب.
وبحسب المنظمة، كان هذا المسؤول من أكثر المشاركين في تنسيق عملية ترحيل الإيرانيين، رغم أن الرحلة نفسها لم تكن مقررة للتوقف في إسرائيل.
حتى الآن لا تقدم الوثائق المنشورة دليلاً يثبت أن الحكومة الإسرائيلية وجهت عملية الترحيل أو تدخلت في اختيار المرحلين، ولذلك فإن الحديث عن تدخل إسرائيلي مباشر يبقى ادعاءً يحتاج إلى أدلة إضافية. لكن وجود هذا المسؤول في قلب عملية الترحيل أثار بالفعل تساؤلات حول سبب إشراك مكتب تل أبيب في عملية تتعلق بإعادة مواطنين إلى إيران.
اتهامات بمشاركة معلومات طالبي اللجوء
القضية لا تتوقف عند الرحلات الجوية.
فدعوى قضائية منفصلة قدمها عدد من الإيرانيين المحتجزين تتهم السلطات الأميركية بالسماح لمسؤولين إيرانيين بالوصول إلى أشخاص قيد الاحتجاز، بل وتدعي أن بعض المسؤولين الإيرانيين كانوا يعرفون تفاصيل حساسة مرتبطة بطلبات اللجوء.
وتقول إفادات في الدعوى إن 11 إيرانياً محتجزاً تحدثوا عن لقاءات مع مسؤولين إيرانيين أثناء احتجازهم لدى سلطات الهجرة.
لكن وزارة الأمن الداخلي الأميركية رفضت هذه الاتهامات بصورة قاطعة، مؤكدة أن هيئة الهجرة لا تشارك سجلات طلبات اللجوء مع الحكومة الإيرانية، وأن جميع المرحلين يحصلون على الإجراءات القانونية المقررة.
وبالتالي، فإن مسألة مشاركة معلومات اللجوء تحديداً ما زالت محل نزاع قانوني ولم تثبت بصورة نهائية.
بين الأمن والهجرة والسياسة الخارجية
القضية تكشف مفارقة لافتة في السياسة الأميركية.
فمن جهة، تقدم واشنطن نفسها منذ عقود باعتبارها ملاذاً للمعارضين الإيرانيين، ومن جهة أخرى قامت إدارة ترامب بتكثيف عمليات إعادة إيرانيين إلى بلد كانت الولايات المتحدة نفسها في حالة مواجهة عسكرية معه.
وتزداد حساسية الأمر عندما يتعلق المرحلون بأشخاص يخشون الاضطهاد أو ينتمون إلى جماعات سياسية أو دينية أو عرقية قد تكون معرضة للخطر.
كما أن التعاون الإداري بين الولايات المتحدة وإيران في ملف الترحيل يبدو لافتاً بالنظر إلى انعدام العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين منذ عام 1979، حتى وإن كان التعاون في ترتيبات الإبعاد ممكناً من الناحية القانونية عبر قنوات مباشرة أو غير مباشرة.
أسئلة أكبر من مجرد رحلات ترحيل
ما تكشفه الوثائق لا يقدم بعد صورة كاملة عن العملية، لكنه يضع إدارة ترامب أمام سلسلة من الأسئلة الصعبة:
من أصدر القرار بجعل ترحيل الإيرانيين أولوية؟
إلى أي مدى تدخل مسؤولون إيرانيون في تحديد المرحلين؟
لماذا كان مكتب هيئة الهجرة في تل أبيب مشاركاً بصورة بارزة؟
كيف صعد شخص غير مدرج على قائمة الركاب إلى رحلة الترحيل؟
وهل تعرضت معلومات طالبي اللجوء الإيرانيين للمشاركة مع سلطات بلدهم؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل وإتاحة الوثائق الكاملة، لا سيما أن وزارة الأمن الداخلي تنفي بصورة قاطعة بعض الاتهامات الأساسية.
وفي انتظار إجابات واضحة، تكشف القضية عن جانب غير معتاد من العلاقة الأميركية الإيرانية: في الوقت الذي كانت فيه واشنطن وطهران تتواجهان عسكرياً وسياسياً، كانت قنوات عملية بين الطرفين تعمل لترتيب إعادة مواطنين إيرانيين من الأراضي الأميركية إلى إيران.
وهنا لا تكمن أهمية القضية في عدد المرحلين فقط، وإنما في السؤال الأوسع: كيف يمكن ضمان حقوق الإنسان والإجراءات القانونية عندما تتحول الهجرة إلى جزء من حسابات الأمن القومي والسياسة الخارجية خلال أوقات الحرب؟











