زهران ممداني، أول عمدة مسلم اشتراكي لمدينة نيويورك، يفوز بفضل حملة انتخابية غير تقليدية اعتمدت على السوشيال ميديا والتمويل الشعبي. تجربة تكشف تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية ولغة التواصل مع الناخبين.
نيويورك – في مشهد انتخابي غير مسبوق، أصبح زوهران ممداني، الشاب الأمريكي من أصول هندية ومسلمة، أول عمدة اشتراكي لمدينة نيويورك، بعد حملة انتخابية كسرت كل القواعد التقليدية في السياسة الأمريكية. فبدلاً من الخطابات الرنانة والتمويلات الضخمة، راهن ممداني على لغة الناس البسيطة، وعلى قوة مواقع التواصل الاجتماعي كأداة للتأثير والتعبئة الشعبية.
ففي 5 نوفمبر الماضي، نجح ممداني في الفوز بالسباق نحو رئاسة “المدينة التي لا تنام” بنسبة 50.4% من الأصوات، متقدماً على منافسه المخضرم أندرو كومو. لكن ما جعل التجربة محطّ أنظار العالم لم يكن فقط فوزه المفاجئ، بل الطريقة التي قاد بها حملته الانتخابية.
ثورة في أسلوب الخطاب السياسي
ممداني لم يتصرّف كسياسي تقليدي، بل كمبدع رقمي يفهم لغة الجيل الجديد. فقد اعتمد على فيديوهات قصيرة، خفيفة الظل، ومشحونة بالرسائل السياسية، ظهرت فيها شخصيته القريبة من الناس، بملابس بسيطة وحضور مرح، يلتقط صوراً في الشوارع ويخاطب الناخبين بلهجة عفوية.
يقول البروفيسور جان باتريك فيلنوف، المتخصص في الاتصال السياسي بجامعة سويسرا الإيطالية، إن ممداني “حوّل الحملة الانتخابية إلى تجربة إنسانية، يعيش بين الناس ويتحدث بلغتهم. لم يرفع شعارات كبرى، بل ركّز على تفاصيل حياتهم اليومية”.
تمويل شعبي بدل المال السياسي
على عكس خصومه الذين اعتمدوا على كبار الممولين، جاءت غالبية تبرعات ممداني من مواطنين عاديين. أكثر من ثلثي المساهمين قدموا مبالغ تقل عن 100 دولار. وبفضل نظام التمويل العام في نيويورك، الذي يضاعف قيمة التبرعات الصغيرة، بلغت ميزانية حملته نحو 16.7 مليون دولار، متفوقة على حملات منافسيه التقليديين.
بين الفن والسياسة
نشأ ممداني في أسرة تجمع بين الثقافة والفكر: والده أستاذ جامعي، ووالدته المخرجة الشهيرة ميرا ناير. وقد ساعده هذا الخلفيّة على استخدام أدوات السرد البصري والفن في بناء صورته السياسية. فحتى الألوان التي استخدمها في حملته – الأزرق مع البرتقالي والأصفر – جاءت خروجاً عن النمط الكلاسيكي للحزب الديمقراطي، في إشارة رمزية إلى التجديد والانفتاح.
هل يمكن تكرار التجربة؟
يرى فيلنوف أن “ظاهرة ممداني” قد تصبح نموذجاً جديداً في الاتصال السياسي، لكنها مرتبطة بشخصيته وبسياق نيويورك تحديداً. ويضيف: “السر في نجاحه هو الأصالة. عندما يقلده آخرون، تبدو المحاولة مصطنعة. هو يعيش ما يقوله، وهذا ما يمنحه المصداقية”.
التحدي الحقيقي يبدأ الآن
فبعد فوزه، يواجه العمدة الجديد اختباراً قاسياً: هل سيتمكن من ترجمة وعوده – مثل النقل المجاني وتحديد الإيجارات وزيادة الضرائب على الأثرياء – إلى سياسات واقعية؟ وهل سيسمح له الحزب الديمقراطي، المنقسم بين جناحيه التقليدي والتقدمي، بالمضي في هذا النهج؟
يقول فيلنوف: “الفوز شيء، والحكم شيء آخر. لقد صنع ممداني ثورة في الاتصال السياسي، لكن عليه الآن أن يصنع ثورة في الإدارة”.










