السلطات العسكرية توسّع إجراءاتها التنظيمية لتشمل منظمات صحية وحقوقية وسط جدل واسع حول مستقبل العمل الأهلي في البلاد
بوركينا فاسو- المنشر الإخبارى
في خطوة جديدة تعكس استمرار التحولات السياسية العميقة في بوركينا فاسو، أعلنت السلطات الانتقالية حلّ 118 جمعية ومنظمة مدنية تنشط في مجالات الصحة والعمل الاجتماعي وحقوق الإنسان، في قرار أثار موجة واسعة من الجدل داخل البلاد وخارجها بشأن مستقبل المجتمع المدني.
وجاء القرار الصادر عن وزارة الإدارة الإقليمية ليشمل مجموعة كبيرة من المنظمات المحلية التي كانت تعمل في مجالات حيوية، بعضها مرتبط بتقديم خدمات مباشرة للفئات الضعيفة، مثل دعم المرضى، ورعاية كبار السن، ومكافحة الأمراض المزمنة، إضافة إلى منظمات حقوقية ونقابية.
وبحسب البيان الرسمي، فإن هذه الخطوة تأتي في إطار تطبيق قانون جديد صدر في يوليو 2025، ينظم عمل الجمعيات في البلاد، ويُلزمها بسلسلة من الإجراءات الإدارية والرقابية التي تقول الحكومة إنها تهدف إلى تعزيز الشفافية ومكافحة التمويل غير المشروع وضمان توافق أنشطة هذه المنظمات مع أولويات الدولة.
سياق القرار وتوقيته
يأتي هذا القرار في مرحلة حساسة تشهد فيها بوركينا فاسو تغييرات سياسية متسارعة تحت حكم المجلس العسكري بقيادة الكابتن إبراهيم تراوري، الذي تولى السلطة في سياق اضطرابات أمنية متصاعدة في منطقة الساحل.
وخلال الفترة الماضية، اتخذت السلطات سلسلة من الإجراءات التي أعادت تشكيل المشهد السياسي، بدءًا من حل الأحزاب السياسية، مرورًا بإعادة تنظيم الإعلام، وصولًا إلى تضييق المجال المتاح أمام بعض المنظمات غير الحكومية.
ويعتبر قرار حل 118 جمعية امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، الذي يراه مراقبون محاولة لإعادة ضبط المشهد الداخلي وإحكام السيطرة على الفضاء المدني، في ظل تحديات أمنية واقتصادية كبيرة تواجه البلاد.
طبيعة الجمعيات المستهدفة
تشير البيانات المتداولة إلى أن الجمعيات التي شملها القرار تنتمي إلى طيف واسع من القطاعات، من بينها منظمات تعمل في مجال الصحة العامة، مثل مكافحة فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، وأخرى تهتم بالدعم الاجتماعي للفئات الهشة، مثل ذوي الإعاقة وكبار السن.
كما شمل القرار جمعيات تعمل في مجال حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات النقابية، وهو ما أثار مخاوف من تقلص دور الرقابة المجتمعية على أداء المؤسسات الرسمية.
وتحذر منظمات دولية من أن غياب هذه الجمعيات أو تقييد عملها قد يؤدي إلى فجوة كبيرة في الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها جزء كبير من السكان، خصوصًا في المناطق الريفية التي تعاني أصلًا من ضعف البنية التحتية والخدمات الحكومية.
انتقادات حقوقية واسعة
في المقابل، وصفت تقارير إعلامية دولية، من بينها مجلة “جون أفريك”، هذه الخطوة بأنها جزء من “حملة أوسع لتقييد المجتمع المدني”، مشيرة إلى أن البيئة السياسية في البلاد تشهد تراجعًا واضحًا في هامش الحريات منذ وصول المجلس العسكري إلى السلطة.
وتشير هذه التقارير إلى أن الجمعيات المستقلة كانت تلعب دورًا مهمًا في تقديم الخدمات الاجتماعية ومراقبة أوضاع حقوق الإنسان، وهو دور بدأ يتقلص تدريجيًا مع توسع الإجراءات التنظيمية والرقابية التي تفرضها الدولة.
كما يرى منتقدون أن تبريرات الحكومة، المتعلقة بالشفافية ومكافحة التمويل غير المشروع، قد تُستخدم كغطاء قانوني لتقليص النشاط المدني غير الحكومي، خصوصًا تلك الجهات التي تُبدي مواقف نقدية من السياسات الرسمية.
مبررات الحكومة
من جهتها، تؤكد السلطات في بوركينا فاسو أن قانون يوليو 2025 لا يستهدف تقليص الحريات، بل يهدف إلى تنظيم القطاع الأهلي وضبط عمل المنظمات بما يضمن عدم استغلالها لأغراض سياسية أو مالية غير مشروعة.
وتقول الحكومة إن بعض الجمعيات كانت تعمل دون رقابة كافية، أو تتلقى تمويلات خارجية دون شفافية كاملة، ما استدعى إعادة هيكلة هذا القطاع لضمان الانضباط الإداري والمالي.
كما تربط السلطات بين هذا التنظيم وبين جهودها في مكافحة التهديدات الأمنية، معتبرة أن بعض الأنشطة قد تتداخل مع قضايا تمويل الإرهاب أو دعم جماعات مسلحة تنشط في منطقة الساحل.
تدهور تدريجي في مساحة المجتمع المدني
ويشير مراقبون إلى أن قرار حل 118 جمعية لا يمكن فصله عن سلسلة من الإجراءات السابقة التي شملت سحب تراخيص منظمات دولية ومحلية، وتعليق نشاط أخرى لفترات مؤقتة، ما يعكس توجهًا تدريجيًا نحو تقليص دور المجتمع المدني في الفضاء العام.
ويرى هؤلاء أن هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، بحيث تصبح المنظمات المدنية أقل استقلالية وأكثر ارتباطًا بالسياسات الحكومية، أو في بعض الحالات تحت إشراف مباشر من الدولة.
تداعيات اجتماعية محتملة
على المستوى الاجتماعي، يحذر خبراء من أن تقليص دور الجمعيات قد يترك أثرًا مباشرًا على الفئات الأكثر هشاشة، خاصة في ظل اعتماد آلاف المواطنين على خدمات تقدمها هذه المنظمات في مجالات الصحة والدعم الإنساني.
كما يُتوقع أن يؤدي هذا الفراغ إلى زيادة الضغط على المؤسسات الحكومية التي تعاني أصلًا من محدودية الموارد، ما قد ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في مناطق متعددة من البلاد.
بوركينا فاسو بين الأمن والسياسة
في خلفية هذا القرار، تعيش بوركينا فاسو تحديات أمنية معقدة مرتبطة بانتشار الجماعات المسلحة في منطقة الساحل، وهو ما يجعل الحكومة تبرر الكثير من قراراتها في إطار “تعزيز الاستقرار الوطني” ومواجهة التهديدات الأمنية.
لكن في المقابل، يرى محللون أن التركيز المفرط على الجانب الأمني قد يأتي على حساب الحريات العامة، ويؤدي إلى تراجع المساحات المدنية والسياسية داخل البلاد.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يعكس قرار حل 118 جمعية في بوركينا فاسو مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد الداخلي، حيث تتداخل الاعتبارات الأمنية مع السياسية والإدارية في رسم مستقبل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني.
وبينما تؤكد الحكومة أن الهدف هو تعزيز الشفافية والانضباط، يرى منتقدون أن النتيجة النهائية قد تكون تقلصًا متزايدًا لدور المجتمع المدني، وتراجعًا في قدرة المنظمات المستقلة على أداء وظائفها التقليدية في الرعاية والمساءلة.
ومع استمرار هذا المسار، تبقى الأسئلة مفتوحة حول شكل الدولة في بوركينا فاسو خلال المرحلة المقبلة، وحدود التوازن بين متطلبات الأمن من جهة، وحقوق المجتمع المدني من جهة أخرى.










