أوروبا تشتري أكبر كميات تاريخية من الغاز الروسي المسال رغم بدء سريان حظر الاستيراد
لندن – المنشر الإخبارى
تعيش القارة الأوروبية واحدة من أكثر لحظاتها تناقضًا في ملف الطاقة منذ بداية الحرب في أوكرانيا، إذ تكشف بيانات حديثة عن تسجيل واردات قياسية من الغاز الطبيعي المسال الروسي، في الوقت الذي تبدأ فيه بروكسل تنفيذ أولى خطوات حظر استيراد هذا الغاز ضمن سياسة تهدف إلى تقليص الاعتماد على موسكو.
ورغم الخطاب السياسي الأوروبي الذي يؤكد السعي إلى “فك الارتباط الطاقي” مع روسيا، فإن الواقع في الأسواق يكشف اتجاهًا معاكسًا تمامًا، حيث تسارعت عمليات الشراء من قبل شركات الطاقة الأوروبية لتأمين أكبر حجم ممكن من الإمدادات الروسية قبل دخول القيود الجديدة حيز التنفيذ.
طفرة غير مسبوقة في واردات الغاز الروسي
تشير بيانات تتبع السفن إلى أن أوروبا استوردت خلال مارس 2026 نحو 2.45 إلى 2.46 مليار متر مكعب من الغاز الروسي المسال، بزيادة تقارب 40% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وبنحو 20% مقارنة بشهر فبراير السابق له.
كما استحوذت الأسواق الأوروبية على كامل شحنات منشأة “يامال” الروسية للغاز المسال في القطب الشمالي، بإجمالي 25 شحنة خلال شهر واحد فقط، وهو أعلى رقم يتم تسجيله منذ بدء تشغيل المشروع عام 2017.
وفي مشهد يعكس حجم الاعتماد، ذهبت نحو 97% من إجمالي صادرات المشروع خلال الربع الأول من 2026 إلى السوق الأوروبية، مقابل تراجع شبه كامل في الشحنات الموجهة إلى آسيا، وعلى رأسها الصين.
تناقض بين السياسة والاحتياج
هذا الارتفاع القياسي في الواردات يأتي في وقت أعلنت فيه المفوضية الأوروبية عن تشديد القيود على استيراد الغاز الروسي، بدءًا من منع العقود قصيرة الأجل اعتبارًا من 25 أبريل، ضمن خطة أوسع لإنهاء الاعتماد الكامل على موسكو بحلول 2027.
لكن المفارقة أن الأسواق الأوروبية كانت تشتري بكثافة قبل دخول هذه الإجراءات حيز التنفيذ، في محاولة لتأمين الاحتياجات الطارئة وسط أزمة طاقة متصاعدة.
ويعود هذا التناقض إلى فجوة واضحة بين الأهداف السياسية المعلنة والقدرات الفعلية للسوق الأوروبية، التي تواجه ارتفاعًا حادًا في الطلب مقابل تراجع في مصادر الإمداد البديلة.
أزمة طاقة تتفاقم
شهدت أسعار الغاز في أوروبا قفزة قوية، حيث ارتفع مؤشر “TTF” القياسي من نحو 35 يورو لكل ميغاواط/ساعة في بداية العام إلى أكثر من 52 يورو، مدفوعًا بتوترات جيوسياسية واضطرابات في الإمدادات العالمية.
وتفاقمت الأزمة بعد تعطل بعض منشآت التصدير في الشرق الأوسط، ما أثر على صادرات قطر، أحد أبرز الموردين العالميين، إلى جانب قيود إضافية على الإمدادات الأمريكية التي تحولت إلى سوق تنافسية مع آسيا.
ومع تراجع البدائل، أصبحت روسيا واحدة من الخيارات القليلة المتاحة أمام الشركات الأوروبية لتأمين الإمدادات في المدى القصير، رغم القيود السياسية المفروضة عليها.
اعتماد أوروبي مستمر على الغاز الروسي
تشير البيانات إلى أن أوروبا لا تزال تعتمد بشكل كبير على الغاز الروسي، رغم التصريحات السياسية المتشددة.
فخلال الربع الأول من 2026، استحوذت القارة على 69 من أصل 71 شحنة صادرة من مشروع “يامال”، ما يعكس اعتمادًا شبه كامل على هذا المصدر في ظل غياب بدائل فورية.
وتشير تقديرات مالية إلى أن هذه الواردات كلفت أوروبا نحو 2.88 مليار يورو خلال ثلاثة أشهر فقط، أي ما يعادل تدفقًا يوميًا يقارب 32 مليون يورو نحو الخزانة الروسية.
فرنسا في قلب المفارقة
تكشف الأرقام أيضًا عن مفارقة لافتة، إذ تعد فرنسا أكبر مستورد أوروبي للغاز الروسي المسال، بنسبة تصل إلى نحو 42% من إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي.
ورغم المواقف السياسية الفرنسية الداعمة لأوكرانيا، فإن شركات الطاقة الفرنسية، وعلى رأسها “توتال إنرجيز”، تظل لاعبًا رئيسيًا في سوق الغاز الروسي، عبر حصص استثمارية مباشرة في مشاريع الإنتاج، إضافة إلى عقود شراء طويلة الأجل تمتد لسنوات قادمة.
بنية تحتية أوروبية تدعم الصادرات الروسية
لا يقتصر الاعتماد على الشراء فقط، بل يمتد إلى البنية التحتية الأوروبية التي تلعب دورًا أساسيًا في تشغيل منظومة تصدير الغاز الروسي.
فشركات الشحن الأوروبية، والتأمين البحري، والموانئ، والعقود طويلة الأجل، كلها عناصر تشكل العمود الفقري لسلاسل الإمداد الروسية من القطب الشمالي إلى الأسواق الأوروبية.
ويشير محللون إلى أن أوروبا ليست مجرد مستورد، بل جزء من البنية التشغيلية التي تجعل استمرار صادرات الغاز الروسي ممكنًا.
سياسة الحظر تحت الاختبار
مع بدء تطبيق الحظر الجزئي، تواجه السياسة الأوروبية اختبارًا صعبًا بين الالتزام بالقرارات السياسية والواقع الاقتصادي.
فالبدائل المتاحة من الغاز المسال لا تزال محدودة، في ظل اضطرابات في الإمدادات من الخليج وتزايد الطلب في آسيا، ما يجعل المنافسة على الشحنات العالمية أكثر حدة.
وفي ظل هذا الوضع، تتجه بعض الشحنات الأمريكية نحو الأسواق الآسيوية بدلًا من أوروبا، بسبب ارتفاع الأسعار هناك، ما يزيد من الضغط على القارة الأوروبية.
روسيا بين العقوبات والعوائد
في المقابل، تستفيد روسيا من استمرار الطلب الأوروبي، حيث تمثل عائدات الغاز مصدرًا مهمًا لتمويل الموازنة العامة، رغم العقوبات المفروضة عليها.
وتشير تقديرات إلى أن كل زيادة طفيفة في أسعار النفط والغاز تضيف مليارات إلى الخزانة الروسية، ما يمنح موسكو هامشًا ماليًا في ظل استمرار الصراع الجيوسياسي.
مشهد مفتوح على مزيد من التوتر
بينما تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية، تكشف الأرقام أن هذا الهدف لا يزال بعيد المنال على المدى القريب، في ظل غياب بدائل قادرة على سد الفجوة بسرعة.
ومع استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب أسواق الطاقة العالمية، يبدو أن القارة الأوروبية ستظل عالقة بين ضرورات الاقتصاد وضغوط السياسة، في معادلة معقدة يصعب حسمها في الوقت الراهن.











