أديس أبابا –30 أبريل 2026،مع اقتراب انتخابات إثيوبيا عام 2026، يبدو المشهد الإثيوبي وكأنه يقف على حافة تحول استراتيجي عميق، حيث تتقاطع نقاط الضعف الهيكلية لنظام حزب “الازدهار” الحاكم برئاسة آبي أحمد مع الصعود التكتيكي المتسارع لميليشيات “فانو” الأمهرية.
ويشير تقييم شامل للأوضاع الميدانية والسياسية إلى ديناميكية متكررة في صراعات القرن الأفريقي الممتدة،إذ يواجه رئيس الوزراء آبي أحمد ضغوطا غير مسبوقة تهدد بقاء سلطته المركزية، بينما تقف حركة “فانو” الأمهرية أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة القوة، وهي فرصة محفوفة بمخاطر سوء التنفيذ والإرهاق العسكري.
تآكل الشرعية: نظام آبي أحمد في مواجهة “التهديد الوجودي”
تظهر وثائق وتحليلات داخلية أن حكومة آبي أحمد تعاني من ضغوط متعددة الجبهات أدت إلى تآكل سلطتها المركزية بشكل خطير.
ومنذ مطلع عام 2026، لم تعد التمردات في أمهرة وأجزاء من أوروميا مجرد اضطرابات محلية، بل تحولت إلى استنزاف منظم لقدرات قوات الدفاع الوطني الإثيوبية (ENDF).
في مناطق غوجام، وغوندر، وولو، وشيوا، تصف التقارير العسكرية حركة “فانو” بأنها “تهديد وجودي” نجح في تفكيك وحدات عسكرية كاملة.
وبحسب مصادر مطلعة لـ”المنشر الاخباري”، يعتمد النظام الآن بشكل مفرط على “دبلوماسية المسيرات” والاعتقالات الجماعية لتعويض فقدان السيطرة على الأرض، مما أجج الاستياء الشعبي نتيجة سقوط ضحايا مدنيين وتزايد المظالم العرقية.
علاوة على ذلك، يعيش نظامآبي أحمد مأزقا سياسيا ناتجا عن عجزه عن التفاوض الفعال مع المعارضة. فبينما كان النظام يبرر سابقا رفض الحوار مع “فانو” بدعوى تشرذمها، أصبح هذا المنطق أقل مصداقية بعد تشكيل “الحركة الوطنية الأمهرة فانو” (AFNM) في يناير 2026، والتي وحدت الفصائل تحت مظلة قيادية واحدة.
الاقتصاد والسياسة الخارجية: عزلة تتفاقم تحت وطأة التضخم
اقتصاديا، تحول “اقتصاد الحرب” إلى عبء لا يمكن تحمله؛ حيث يلتهم القتال في أمهرة الموارد التي كان من المفترض توجيهها للتنمية أو لسداد الديون الخارجية.
ويعاني المواطن الإثيوبي من تضخم مفرط وانخفاض حاد في قيمة العملة، وسط تقلبات في المساعدات الدولية.
دبلوماسيا، لا يبدو الوضع أفضل حالا، إذ تتوتر العلاقات مع الجارة إريتريا بسبب اتهامات التدخل وطموحات آبي أحمد في الوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء “عصب”.
ورغم محاولات الغرب تقديم عمليات إنقاذ اقتصادي، إلا أن هذه المساعدات تأتي مع تدقيق حقوقي صارم يحرج النظام دوليا.
زخم “فانو”: من حرب العصابات إلى التنظيم الجبهوي
على الطرف الآخر من الصراع، أظهرت ميليشيات “فانو” مرونة مذهلة وقدرة على التكيف،فقد مثل اندماج يناير 2026 نقطة تحول مفصلية، حيث برزت شخصيات مثل “زيميني كاسي” على الصعيد السياسي والعميد “تيفيرا مامو” على الصعيد العسكري.
هذا التوحيد عالج نقطة ضعف مزمنة كانت تتمثل في اللامركزية التي حدت من الفعالية السياسية للحركة.
واستغلت “فانو” إرهاق القوات الفيدرالية لتنفيذ هجمات منسقة مطلع هذا العام، شملت الاستيلاء على مدن استراتيجية مثل “نيفاس ميوشا”، واحتجاز مئات الجنود، والاستيلاء على كميات ضخمة من الأسلحة الثقيلة.
وتعمل الحركة الآن على تقديم نفسها كقوة وطنية مناهضة للنظام، منفتحة على تحالفات عابرة للقوميات، بما في ذلك توجيه إشارات تقارب لعناصر من جبهة تحرير شعب تيغراي المتذمرين من بطء تنفيذ اتفاقية بريتوريا.
تحديات استراتيجية: خطر إهدار المكاسب الميدانية
رغم هذا الزخم، يحذر مراقبون عسكريون من أن “فانو” لم تترجم بعد نجاحاتها الميدانية إلى تقدم استراتيجي حاسم ومستدام، ففي عمليات سابقة خلال عام 2025 في منطقتي وولو وغوندر، حققت الحركة مكاسب سريعة أعقبها انسحاب تحت ضغط سلاح الجو والمدفعية الثقيلة للنظام.
وتواجه “فانو” ثلاثة تحديات رئيسية قد تهدد بقاءها، الانتقال من حرب عصابات ريفية إلى السيطرة الدائمة على المراكز الحضرية يتطلب انضباطا قياديا وتأمينا لخطوط الإمداد، وهو ما لا يزال محل نزاع.
والاعتماد المفرط على القاعدة الشعبية في أمهرة دون التنسيق مع الجماعات المناهضة الأخرى (مثل فصائل الأورومو) قد يؤدي إلى عزل الحركة دوليا ومحليا، ويسمح للنظام بتصويرها كحركة “متطرفة”.
و لا تزال قوات الجيش الإثيوبي تمتلك ميزة نوعية في الطائرات المسيرة، وهي الورقة التي يستخدمها آبي أحمد لاستنزاف قوات “فانو” ومنعها من الاستقرار في المدن الكبرى.
حرب استنزاف مفتوحة
الصراع في إثيوبيا اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل هو سباق مع الزمن بين نظام ينهار هيكليا ومعارضة مسلحة تحاول بناء شرعية بديلة،إذا لم تتمكن “فانو” من تحويل سيطرتها الميدانية إلى نموذج حوكمة فعال وتواصل دبلوماسي، فإنها تخاطر بالوقوع في فخ الاستنزاف الطويل الذي قد ينفر الحاضنة الشعبية المرهقة من الحرب.
في المقابل، يراهن آبي أحمد على أن عامل الوقت والأسلحة الثقيلة قد يفككان وحدة “فانو” الجديدة، لكن الواقع الميداني في غوجام وغوندر يشير إلى أن الأرض بدأت تنسحب من تحت أقدام “الازدهار”، مما يفتح الباب أمام احتمالات شتى، من بينها التفكك الكامل للسلطة المركزية أو التحول نحو نظام فيدرالي جديد يبنى على أنقاض الصراع الحالي.










