تباين مواقف نائب الرئيس ووزير الخارجية بشأن إيران وإسرائيل يكشف انقساماً داخل التيار الجمهوري، رغم نفي البيت الأبيض وجود أي خلافات، ويثير تساؤلات حول سباق مبكر لخلافة دونالد ترامب في انتخابات 2028.
واشنطن – المنشر_الاخباري
هل يتحدث البيت الأبيض بصوت واحد؟
رغم حرص إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إظهار جبهة موحدة في ملفات السياسة الخارجية، فإن التصريحات الأخيرة لكل من نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو كشفت عن تباينات لافتة في الرؤية تجاه قضايا الشرق الأوسط، وعلى رأسها إيران وإسرائيل، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة الحديث عن صراع مبكر داخل الحزب الجمهوري حول مرحلة ما بعد ترامب.
وخلال الأيام الماضية، برز اختلاف واضح في أسلوب الرجلين عند تناول الاتفاق الأولي الذي توصلت إليه واشنطن مع إيران، وكذلك في تقييمهما للسياسات الإسرائيلية في المنطقة، وهو ما اعتبره مراقبون أكثر من مجرد اختلاف في اللهجة، بل مؤشراً على وجود مدرستين مختلفتين داخل الإدارة الأميركية.
ورغم أن البيت الأبيض سارع إلى نفي وجود أي خلاف، فإن الجدل لم يتوقف، خاصة أن فانس وروبيو يعدان من أبرز الأسماء المطروحة لقيادة الحزب الجمهوري مستقبلاً.
فانس.. الدبلوماسية أولاً
خلال الأسبوع الماضي، تبنى نائب الرئيس جي دي فانس خطاباً أقل تصادمية تجاه إيران، مؤكداً أن الإدارة الأميركية تسعى إلى استثمار الزخم الدبلوماسي لتحقيق اتفاق يمنع طهران من امتلاك سلاح نووي دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية جديدة.
كما انتقد فانس الأصوات الإسرائيلية التي هاجمت الاتفاق الأميركي الإيراني، معتبراً أن التصعيد العسكري الإسرائيلي، خاصة في لبنان، قد يعرقل جهود واشنطن لخفض التوتر في المنطقة.
وخلال زيارته إلى سويسرا، حيث أجرى محادثات مع مسؤولين إيرانيين، تحدث فانس بنبرة متفائلة، مؤكداً أن الفرصة ما زالت قائمة للوصول إلى تفاهمات تحقق المصالح الأميركية دون إشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط.
وتنسجم هذه المواقف مع توجهات فانس السياسية منذ دخوله الحياة العامة، إذ عرف بمعارضته للتدخلات العسكرية الأميركية الطويلة، واعتباره أن الحروب الخارجية أرهقت الاقتصاد الأميركي واستنزفت قدراته.
روبيو.. لا اتفاق بأي ثمن
في المقابل، بدا وزير الخارجية ماركو روبيو أكثر تشدداً في تصريحاته، مؤكداً أن الولايات المتحدة ترغب في التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكن ليس على حساب أمنها أو أمن حلفائها.
وقال روبيو إن أي اتفاق يجب أن يكون صارماً ويضمن بشكل كامل منع إيران من تطوير برنامجها النووي أو تهديد الاستقرار الإقليمي.
كما واصل الدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية، معتبراً أنها تأتي رداً على تهديدات حزب الله والجماعات المدعومة من إيران، وهو موقف ينسجم مع توجهاته المعروفة داخل الحزب الجمهوري.
وعندما سئل عن تصريحات فانس، تجنب التعليق المباشر عليها، مكتفياً بالتأكيد أن الإدارة تواصل العمل لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة.
البيت الأبيض ينفي وجود انقسام
ومع تصاعد الحديث عن وجود خلافات داخل الإدارة، خرج البيت الأبيض سريعاً لنفي تلك الروايات.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الإدارة بأكملها تقف خلف الرئيس دونالد ترامب، مؤكدة أن “هناك معسكراً واحداً فقط، هو معسكر الرئيس”.
وأضافت أن جميع المسؤولين يعملون لتحقيق هدف واحد يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وأن اختلاف أساليب التعبير لا يعني وجود انقسام في السياسات.
كما وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت الحديث عن خلاف بين روبيو وفانس بأنه “رواية مبتذلة وكاذبة”، مؤكداً أن السياسة الخارجية الأميركية تُدار وفق رؤية موحدة.
اختلاف في الرؤية لا في الهدف
ورغم النفي الرسمي، يرى محللون أن الفارق بين الرجلين يتجاوز مجرد اختلاف في الأسلوب.
ففانس يمثل التيار الجمهوري الجديد الذي يدعو إلى تقليص الانخراط العسكري الأميركي والتركيز على القضايا الداخلية، بينما يجسد روبيو التيار التقليدي داخل الحزب، المعروف بمواقفه المتشددة تجاه الخصوم والداعية إلى استمرار النفوذ الأميركي حول العالم.
ويرى مراقبون أن كلا المسؤولين يتفقان على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لكنهما يختلفان في الوسائل.
فبينما يفضل فانس إعطاء الأولوية للدبلوماسية والتفاوض، يميل روبيو إلى ممارسة أقصى درجات الضغط السياسي والاقتصادي والعسكري على طهران.
معركة مبكرة على رئاسة 2028؟
التوقيت الذي ظهر فيه هذا التباين زاد من حجم التكهنات، إذ ينظر إلى كل من فانس وروبيو باعتبارهما أبرز المرشحين المحتملين لخلافة ترامب داخل الحزب الجمهوري.
ويرى خبراء أن الرجلين يحاولان منذ الآن رسم هويتهما السياسية أمام القاعدة الجمهورية.
ففانس يخاطب القاعدة الشعبوية التي أوصلت ترامب إلى البيت الأبيض، ويقدم نفسه باعتباره المدافع عن سياسة “أميركا أولاً”، ورفض الحروب المكلفة.
أما روبيو، فيسعى إلى طمأنة الجمهوريين التقليديين وحلفاء الولايات المتحدة، عبر التأكيد أن واشنطن ستبقى القوة القيادية في النظام الدولي.
ويعتقد محللون أن هذا التنافس سيزداد وضوحاً كلما اقتربت انتخابات 2028، خصوصاً إذا قرر ترامب عدم دعم مرشح بعينه.
إيران وإسرائيل تتحولان إلى ساحة اختبار
اللافت أن ملفات الشرق الأوسط أصبحت أول اختبار حقيقي لهذا التنافس.
فإيران، والبرنامج النووي، والعلاقة مع إسرائيل، تمثل جميعها قضايا تحظى باهتمام كبير داخل الحزب الجمهوري، كما أنها تشكل معياراً مهماً لتقييم أي مرشح رئاسي محتمل.
ويرى مراقبون أن مواقف فانس الأكثر مرونة قد تمنحه قبولاً لدى الناخبين الذين يرفضون الحروب الخارجية، في حين قد تعزز مواقف روبيو المتشددة مكانته لدى الجمهوريين المحافظين المؤيدين لإسرائيل.
الجمهوريون بين تيارين
تعكس تصريحات الرجلين أيضاً الصراع الفكري داخل الحزب الجمهوري.
فالتيار الأول، الذي يمثله فانس، يركز على تقليص التدخلات الخارجية وإعادة توجيه الموارد إلى الداخل الأميركي.
أما التيار الثاني، الذي يمثله روبيو، فيرى أن الحفاظ على القيادة الأميركية للعالم يتطلب سياسة خارجية أكثر حزماً، خاصة تجاه الصين وروسيا وإيران.
ويشير محللون إلى أن هذا الانقسام قد يصبح السمة الأبرز للحزب الجمهوري خلال السنوات المقبلة، خصوصاً مع اقتراب نهاية حقبة ترامب السياسية.
هل يستطيع ترامب احتواء المنافسة؟
حتى الآن، ينجح الرئيس الأميركي في الحفاظ على توازن بين أجنحة إدارته، لكن استمرار التباينات في القضايا الحساسة قد يجعل إدارة هذا التوازن أكثر صعوبة.
ويعتقد مراقبون أن ترامب يدرك أهمية وجود شخصيات ذات توجهات مختلفة داخل فريقه، لكنه في الوقت نفسه لا يرغب في تحول هذه الاختلافات إلى صراع علني قد يضعف صورته السياسية.
ومع استمرار المفاوضات مع إيران وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تبدو ملفات السياسة الخارجية مرشحة لأن تصبح الساحة الرئيسية التي سيختبر فيها كل من فانس وروبيو قدرته على إقناع الجمهوريين بأنه الأجدر بقيادة الحزب في مرحلة ما بعد ترامب.










