في خطوة لافتة تعكس تصاعد التوترات العسكرية في شرق السودان، أعلنت “حركة تحرير شرق السودان” عن اكتمال تمركز قواتها في معسكراتها داخل الإقليم، بالتنسيق مع حلفائها.
وأكدت الحركة في بيان صحفي رسمي أن هذه الخطوة تأتي ضمن ترتيبات تنظيمية وأمنية دقيقة تهدف إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة، والمساهمة الفاعلة في عمليات الحماية والتأمين، مشيرةً إلى أنها أعدت خططاً استراتيجية للانتشار في بقية مناطق الإقليم وفق رؤية تراعي متطلبات المرحلة الراهنة.
المشهد العسكري والسياسي في الشرق
وتعد هذه القوات، التي يقودها إبراهيم عبد الله (المعروف بـ “إبراهيم دنيا”)، أحد أبرز التشكيلات المسلحة الناشئة في ظل الحرب الدائرة في البلاد. وتدعي الحركة أن هدفها الأساسي يتمثل في حماية الإقليم من تداعيات النزاع الذي أنهك الدولة السودانية.
وقد نشطت الحركة خلال الفترة الماضية في تفاهمات سياسية وأمنية مع قوى وفصائل شرقية أخرى، مع تأكيدها المستمر على دعم مؤسسات الدولة وسيادتها، في محاولة لتثبيت أقدامها كفاعل سياسي-عسكري موازٍ خارج القنوات التقليدية.
يأتي هذا الإعلان في وقت يعود فيه شرق السودان إلى واجهة المشهد الوطني، ليصبح مسرحاً لتشكل سياسي-عسكري بالغ التعقيد، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الهوية، وتتشابك فيه حسابات المركز مع ذاكرة الإقليم المثقلة بالتهميش والوعود المؤجلة.
وفي لحظة تتآكل فيها قدرة السلطة المركزية على الضبط، يبرز الشرق كساحة اختبار لإعادة توزيع القوة، مع إدراك واسع بأن إعادة تعريف الفاعلين والأدوار قد ترسم خرائط نفوذ جديدة.
مسار تفاوضي موازٍ وضغوط إقليمية
وكشفت الخطوة الأخيرة لقائد الحركة إبراهيم دنيا، المتمثلة في تسليم مطالب حركته للحكومة السودانية عبر وساطة إريترية، عن وجود مسار تفاوضي يتشكل بعيداً عن مؤسسات الدولة الرسمية، مما يبرز الدور الحيوي للجوار الإقليمي في معادلات الداخل.
وربط مستقبل الشرق بمدى الاستجابة لهذه المطالب يضع الحكومة أمام اختبار مركب؛ فإما استيعاب المطالب قبل تحولها إلى وقائع ميدانية قسرية، أو تركها تتراكم حتى تعيد فرض ميزان قوة جديد على الأرض.
في المقابل، تتعالى أصوات مدنية محذرة من مغبة “الانفلات الشامل”، ويرى مراقبون أن مصير الإقليم بات معلقاً بسرعة الاستجابة للمبادرات الإقليمية، لا سيما خشية انتقال عدوى الحرب إلى إقليم ظل لعقود يمثل بوابة البلاد الاستراتيجية وممراً حيوياً للتجارة الدولية.
الاصطفافات القبلية واحتكار القوة
تتعقد الصورة أكثر مع دخول خمس فصائل مسلحة ذات ثقل اجتماعي في ميثاق تحالف “شرق السودان”، حيث تمايزت هذه الفصائل عن الاصطفاف العسكري الرئيسي بين الجيش وقوات “الدعم السريع”.
هذا التموضع أثار مخاوف من صدامات أهلية قد تكرس احتكار القوة في يد مجموعات قبلية مرتبطة نفوذها تاريخياً بالسلطة.
وينقسم الإقليم حالياً بين تكتلين أحدهما بقيادة ناظر الهدندوة محمد الأمين ترك (حليف الجيش)، وتكتل آخر يضم الفصائل الموقعة على الميثاق، والتي تمتلك تدريبات وعمقاً اجتماعياً يشمل كبرى مكونات البجا، الهدندوة، البني عامر، الأمرار، والجيملاب والرشايدة.
جذور التهميش والتحول من السياسة إلى السلاح
تأتي هذه التطورات كحلقة في سلسلة طويلة من التهميش البنيوي الذي عانى منه الإقليم منذ ما قبل الاستقلال.
وبعد أن كان “مؤتمر البجا” منذ عام 1950 صوتاً سلمياً يطالب بالتنمية والعدالة، دفع تكرار إخفاقات السياسة التقليدية وقبضة المركز الأمنية بالأجيال الجديدة نحو منطق الكفاح المسلح، خاصة بعد عام 1994.
تجارب الإقليم مع اتفاقيات السلام السابقة، مثل مفاوضات القاهرة 2005، رسخت قناعة لدى أطراف الشرق بأن الدولة لا تزال تتعامل مع قضاياهم بوصفها “ملفات أمنية” تتطلب الترويض، لا بوصفهم شركاء سياسيين متساوين، مما يجعل من التحركات العسكرية الأخيرة تعبيراً عن فشل آليات السياسة القديمة في تفكيك المظالم المتراكمة.










