أصدر المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني ورقة تحليلية مفصلة حول تداعيات المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان بموجب قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية (CBW Act)، والتي دخلت حيز التنفيذ في 26 يونيو 2026.
عقوبات أمريكية
أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، عن حزمة عقوبات اقتصادية جديدة ضد السودان، هي الثانية من نوعها، وذلك في إطار تفعيل بنود قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية (CBW Act). وتضمنت القرارات حظراً فورياً على تشغيل شركات الطيران السودانية المملوكة للدولة داخل الأراضي الأمريكية.
وبحسب بيان صادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، طالت العقوبات ثمانية كيانات وأفراد، بينهم ثلاث شركات وعدد من الشخصيات البارزة، من ضمنهم ضابط سوداني، وذلك على خلفية تورطهم في النزاع الدائر في البلاد. وتتجاوز هذه الإجراءات قطاع الطيران لتشمل قيوداً مشددة على الصادرات، بالإضافة إلى التزام الإدارة الأمريكية بمعارضة أي قروض أو مساعدات مالية وتقنية قد تُقدم للسودان من قبل المؤسسات المالية الدولية.
وأكد المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني، في تقريره أن هذه العقوبات لن تؤدي إلى وقف حركة الطيران المدني أو الشحن الجوي من وإلى البلاد، مشدداً على أن التحديات الحقيقية تكمن في الجوانب المالية والتجارية المرتبطة بقطاع النقل الجوي.
تدقيق في “حظر الطيران”
وأوضح المركز أن ما تناولته بعض وسائل الإعلام حول “حظر شركات الطيران السودانية” يحتاج إلى دقة قانونية؛ حيث إن الحظر الأمريكي يقتصر حصراً على شركات الطيران المملوكة للدولة، ولا يشمل الناقلات الجوية السودانية الخاصة.
وأشار إلى أن المرحلة الأولى من العقوبات (يونيو 2025) تضمنت استثناءً جوهرياً للحفاظ على سلامة الطيران المدني، حيث سمحت واشنطن بمنح تراخيص لتصدير قطع الغيار والخدمات الفنية اللازمة لضمان تشغيل الطائرات المدنية، التزاماً بالمبدأ الدولي الذي يجنب الطيران المدني ويلات العقوبات.
أثر تشغيلي محدود
من الناحية التشغيلية، أكد المركز أن العقوبات لا تحمل أثراً مباشراً على حركة الملاحة الجوية، نظراً لعدم وجود رحلات جوية مباشرة بين السودان والولايات المتحدة حالياً، كما أن الناقل الوطني السوداني لا يسير أي رحلات إلى الأراضي الأمريكية منذ سنوات طويلة.
أما فيما يتعلق بالشحن الجوي، فستستمر البضائع في الوصول عبر شركات الطيران الأجنبية ومراكز العبور الإقليمية، رغم توقعات المركز بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين نتيجة تعقد إجراءات الامتثال الدولية.
التحدي يكمن في “قنوات الدفع”
ورأى المركز أن الخطر الأكبر لا يكمن في حظر المطارات، بل في التأثير غير المباشر على سوق السفر الجوي. حيث قد تؤدي القيود المالية إلى تعقيد عمليات تسوية الإيرادات وتحويل الأموال بين شركات الطيران عبر أنظمة الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، مثل نظام “BSP” ونظام المقاصة (Clearing House).
وأشار المركز إلى أن العقوبات الأمريكية الأخيرة، التي جاءت بالتزامن مع تصريحات أمريكية في مجلس الأمن تتهم أطرافاً في النزاع باستخدام أسلحة كيميائية، تفرض معارضة أمريكية لتقديم القروض أو المساعدات المالية الدولية للسودان، وتفرض قيوداً على الصادرات.
وعلى الرغم من أن بيع تذاكر السفر بين شركة “سودانير” والشركات العالمية ليس محظوراً بصورة مباشرة، إلا أن التخوف يتركز في أن تبادر البنوك والمؤسسات المالية الدولية إلى تشديد إجراءاتها الوقائية (Over-compliance)، مما قد يعطل انسيابية العمليات التجارية.
دعوة للاستجابة الوطنية
وختم المركز ورقته التحليلية بالتأكيد على أن التحدي الاستراتيجي لقطاع الطيران السوداني في المرحلة المقبلة يتجسد في “الحفاظ على قنوات الدفع والتسوية المصرفية والعلاقات مع شركات التأمين العالمية”.
ودعا المركز الجهات المختصة في الدولة إلى ضرورة المتابعة اللصيقة للتطورات القانونية، والعمل على بناء قنوات تعاون مرنة مع المنظمات الدولية وشركاء صناعة الطيران لضمان استمرار هذا القطاع الحيوي في أداء مهامه بكفاءة، رغم الضغوط الاقتصادية المتزايدة.










