زار عدد من الشخصيات البارزة في ائتلاف “صمود” السوداني (المعروف سابقا باسم “تقدم”) مدينة تل أبيب أواخر شهر يونيو الماضي، في خطوة سرية كشفت عنها تقارير استخباراتية، ومن بين أبرز المشاركين في هذه الزيارة كل من خالد عمر يوسف، الرجل الثاني في الائتلاف، وبابكر فيصل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية، إضافة إلى طه عثمان إسحاق، وسط مساع إقليمية ودولية لإعادة هندسة المشهد السياسي في السودان في خضم الحرب الأهلية المستمرة.
تفاصيل الزيارة السرية وخلفياتها الإقليمية
وأفادت التقارير الاستخباراتية، من بينها تحقيق لمنصة (Dark Box)، بأن الزيارة جاءت ضمن خطة أوسع وأطول مدي للترويج لتحالف “صمود” أمام الأطراف الإقليمية والدولية، وتقديمه كخيار سياسي وبديل مدني أضيق نطاقا وقادر على إدارة السودان في مرحلة ما بعد الحرب، إذا ما تبدلت موازين القوى على الأرض. وحصلت منصات إعلامية على معلومات من عواصم إقليمية تفيد بوجود تنسيق مسبق بشأن تفاصيل الزيارة وأهدافها الاستراتيجية.
وكشفت التقارير أن رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تحالف “صمود”، عبد الله حمدوك، أبلغ مسبقا بالتوجه من قبل شارون بار لي (مديرة قسم أفريقيا في وزارة الخارجية الإسرائيلية)، لكنه رفض الحضور شخصيا خشية انعكاساتها السياسية المدمرة على صورته الشعبية، بينما نفذت الزيارة بسرية كاملة خفيت حتى عن بعض أطراف الائتلاف نفسه.
استجواب أمني وتداعيات إقليمية
وعقب عودته من الجولة، تعرض بابكر فيصل لتوقيف واستجواب أمني مطول لعدة ساعات (نحو أربع ساعات) من قبل السلطات المصرية في مطار القاهرة الدولي مطلع يوليو/تموز، قبل أن يتم إطلاق سراحه لاحقا، وهو الحادث الذي أثار تكهنات واسعة حول طبيعة العلاقات الإقليمية للتحالف ونظرة القاهرة لهذه التحركات السرية.
وربط التحقيق هذه التطورات بتحركات دبلوماسية تقودها الإمارات لإعادة تشكيل المشهد السوداني عبر تسويق التحالف كشريك مدني يمكن الاعتماد عليه، مقابل تصوير القوات المسلحة السودانية على أنها متحالفة مع الحركات الإسلامية. وتتطابق هذه المعطيات مع استمرار الجدل الدولي حول الدور الإماراتي المزعوم في السودان ودعمها لقوات الدعم السريع، وهو ما تواصل أبوظبي نفيه بشكل قاطع.
جدل داخلي وانقسامات في “صمود”
يقدم تحالف “صمود” نفسه كتيار مدني يسعى إلى إنهاء الحرب المستمرة واستعادة مسار الحكم المدني الديمقراطي، إلا أن قياداته باتت تواجه انتقادات داخلية حادة بسبب مواقفهم الملتبسة من الصراع، وتعاملهم مع الملفات الإقليمية.
وأشارت المعطيات إلى أن عددا من الشخصيات المنضوية في التحالف احتفظت بعلاقات وثيقة مع أبوظبي لسنوات طويلة، مستشهدة بإقامتهم أو عملهم هناك وظهورهم المتكرر في وسائل الإعلام الإماراتية. كما أثار ظهور عناصر من قوات الدعم السريع وشخصيات مرتبطة بالتحالف ضمن شبكة وثائق “جواز السفر الكيني” مزيدا من الجدل في الشارع السوداني حول طبيعة التشابكات الإقليمية الخفية.
التفاعل الإسرائيلي وسياق العلاقات الثنائية
على الصعيد الدبلوماسي، رصد التحقيق تفاعل شخصيات سياسية وإعلامية إسرائيلية مع تصريحات قيادات “صمود”، مشيرا إلى عمليات إعادة نشر وتضخيم لتصريحات أطلقها خالد عمر يوسف عقب لقاءات عقدها في عواصم أوروبية، باعتبارها جزءا من جهود منسقة لحشد دعم دولي للرواية السياسية للتحالف.
يذكر أن السودان كان قد طبع علاقاته رسميا مع إسرائيل بموجب “اتفاقيات أبراهام” عام 2020 خلال الفترة الانتقالية وقبل حدوث الانقلاب العسكري، إلا أن اندلاع الحرب الأهلية الشاملة منذ عام 2023 أدى إلى تعقيد كافة الجهود الدبلوماسية، لتبرز مجددا قنوات الاتصال السرية والوساطات الخارجية في محاولة لصياغة مستقبل السلطة في البلاد وسط أزمات إنسانية وسياسية متفاقمة.










