زيارة جوزيف عون إلى الولايات المتحدة تعيد طرح السؤال الأكبر: هل تنجح الدولة اللبنانية في استعادة قرارها الأمني والسياسي؟
بيروت – المنشر_الاخباري
عاد الرئيس اللبناني جوزيف عون من زيارته إلى واشنطن وسط أجواء سياسية تحمل رسائل تتجاوز حدود اللقاءات الدبلوماسية، إذ يرى مراقبون أن المرحلة المقبلة قد تشكل اختباراً حقيقياً لقدرة لبنان على تعزيز مؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل استمرار الجدل حول دور حزب الله وسلاحه خارج إطار الجيش اللبناني.
وخلال الزيارة، أبدت الولايات المتحدة استعداداً لدعم لبنان في ملفات عدة، من بينها تعزيز قدرات الجيش اللبناني، ودعم الاستقرار في الجنوب، إضافة إلى خطوات مرتبطة بإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية والسياحية بين البلدين. إلا أن الرسالة الأبرز التي رافقت التحركات الأمريكية تمثلت في التأكيد على ضرورة أن تكون مؤسسات الدولة اللبنانية صاحبة القرار الأول في قضايا الأمن والسيادة.
وترى أوساط سياسية أن الدعم الدولي للبنان بات مرتبطاً بمدى قدرة الحكومة على تنفيذ خطوات عملية، وليس الاكتفاء بالتعهدات السياسية. فالمجتمع الدولي، بحسب هذه الرؤية، يريد رؤية مؤسسات قادرة على فرض القانون والسيطرة الكاملة على الأراضي اللبنانية، بما يشمل ملف السلاح والحدود.
الجنوب اللبناني.. الاختبار الأول
يبرز جنوب لبنان باعتباره الساحة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة، حيث تتركز الجهود على تعزيز انتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تشهد ترتيبات أمنية جديدة، وسط مساعٍ لتثبيت وقف التصعيد ومنع عودة التوترات العسكرية.
ويرى محللون أن نجاح الجيش اللبناني في إدارة هذه المرحلة سيكون مؤشراً على قدرة الدولة على فرض حضورها، خصوصاً في المناطق التي لطالما كانت مرتبطة بنفوذ حزب الله العسكري.
لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ إن أي خطوات تتعلق بالسلاح أو البنية العسكرية للحزب قد تواجه تعقيدات سياسية وأمنية، في ظل تشابك الملفات الداخلية اللبنانية مع صراعات المنطقة.
الجيش اللبناني بين الدعم الخارجي والقرار السياسي
رغم حصول الجيش اللبناني على دعم وتدريب من الولايات المتحدة ودول غربية خلال السنوات الماضية، فإن التحدي الأكبر لا يتعلق فقط بالإمكانات العسكرية، بل بوجود قرار سياسي واضح يمنحه القدرة على تنفيذ مهامه دون قيود.
ويرى خبراء أن وجود قوة عسكرية خارج إطار الدولة يمثل عقبة أمام بناء نموذج مؤسساتي مستقر، خصوصاً أن لبنان عانى لعقود من تأثير الصراعات الإقليمية على قراره الداخلي.
كما يشير مراقبون إلى أن أي خطة لإعادة بناء الدولة تحتاج إلى معالجة ملف الحدود، خصوصاً الحدود مع سوريا، لمنع استمرار عمليات تهريب الأسلحة أو انتقال النفوذ العسكري عبر المسارات الإقليمية.
حزب الله في قلب المعادلة
يبقى حزب الله الطرف الأكثر حضوراً في النقاش السياسي اللبناني، إذ يرى مؤيدوه أن سلاحه يمثل جزءاً من منظومة الدفاع عن البلاد، بينما تعتبر قوى أخرى أن استمرار وجود قوة مسلحة مستقلة عن الدولة يضعف مفهوم السيادة.
ويؤكد منتقدو الحزب أن لبنان لا يمكنه استعادة ثقة المستثمرين والداعمين الدوليين ما لم تصبح قرارات الحرب والسلم بيد المؤسسات الرسمية فقط.
في المقابل، يرفض الحزب هذه الطروحات ويؤكد أن دوره مرتبط بمواجهة التهديدات الخارجية، ما يجعل الملف واحداً من أكثر القضايا حساسية في الحياة السياسية اللبنانية.
فرصة جديدة أم أزمة مؤجلة؟
يرى مراقبون أن لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية، فإما أن تنجح السلطة في استثمار الدعم الدولي لإعادة تقوية مؤسسات الدولة، أو يعود البلد إلى دائرة الأزمات السابقة التي عطلت الإصلاحات وأضعفت الاقتصاد.
ويرى محللون أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بالتصريحات السياسية أو الاتفاقيات فقط، بل بقدرة الدولة على تحقيق نتائج ملموسة: تعزيز دور الجيش، ضبط الحدود، حماية المؤسسات، وإعادة بناء الثقة داخلياً وخارجياً.
وبينما تفتح واشنطن باب الدعم، يبقى القرار النهائي بيد اللبنانيين أنفسهم، في معركة سياسية عنوانها الأكبر: هل ينجح لبنان في بناء دولة تمتلك وحدها قرارها الأمني، أم يستمر في إدارة التوازن بين مؤسسات رسمية وقوى مسلحة ذات نفوذ واسع؟










