أبوظبي – المنشر_الاخباري
أكد الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أن العمل الدبلوماسي والتفاوضي يقوم على معادلة دقيقة تجمع بين المرونة والثبات، مشددًا على أن نجاح المفاوضات يرتبط بمدى واقعية الأطراف في تقدير أوراق القوة والمصلحة الوطنية.
وقال قرقاش، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «الدبلوماسية وفن التفاوض ميزان دقيق بين المرونة والثبات على موقف واضح يعبر عن المصلحة الوطنية»، موضحًا أن إدارة هذا التوازن تتطلب تقديرًا واقعيًا لما يمتلكه المفاوض من أوراق، بعيدًا عن المبالغة في تقدير القدرات أو الانجرار إلى التصعيد.
وأضاف أن نجاح إدارة هذا التوازن يعتمد على إدراك دقيق لموازين القوة وواقعية في التقدير وتوازن في الأداء، معتبرًا أن غياب هذه العناصر قد يؤدي إلى تعثر المساعي السياسية والتفاوضية مهما كانت أهدافها.
واستشهد قرقاش بقول مأثور: «لا تكن صلبًا فتُكسر، ولا ليّنًا فتُعصر»، في رسالة تؤكد أهمية تجنب التصلب الذي قد يغلق أبواب الحوار، وكذلك الابتعاد عن المرونة المفرطة التي قد تؤدي إلى إضعاف الموقف التفاوضي.
المصلحة الوطنية أولًا
وتعكس تصريحات قرقاش رؤية تقوم على أن التفاوض الفعال يبدأ من تحديد المصالح الأساسية التي لا يمكن التخلي عنها، ثم البحث عن مساحات للمناورة تسمح بتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب دون الإضرار بتلك المصالح.
فالتمسك بالموقف لا يعني بالضرورة رفض التسوية، كما أن المرونة لا تعني التخلي عن الثوابت، وإنما يتعلق الأمر بقدرة المفاوض على تحديد متى يثبت ومتى يناور ومتى يقدم تنازلًا محسوبًا مقابل مكسب أكبر.
وفي هذا السياق، تصبح معرفة حدود القوة الفعلية عنصرًا حاسمًا، إذ إن المفاوض الذي يبالغ في تقدير أوراقه قد يجد نفسه أمام مطالب أو نتائج تتجاوز قدرته على تنفيذها، بينما قد يؤدي التقليل من عناصر القوة إلى تقديم تنازلات كان من الممكن تجنبها.
تحذير من التصعيد غير المحسوب
وشدد قرقاش على أهمية الابتعاد عن المبالغة والتصعيد، في إشارة إلى أن رفع سقف المواقف السياسية من دون امتلاك الأدوات اللازمة لدعمه قد يؤدي إلى إضعاف فرص التوصل إلى حلول.
فالتفاوض، وفق هذه الرؤية، ليس ساحة لاستعراض القوة بقدر ما هو عملية لإدارة المصالح المتعارضة والوصول إلى صيغة تحقق قدرًا من التوافق، مع الحفاظ على قدرة كل طرف على الدفاع عن مصالحه.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه المنطقة والعالم أزمات سياسية وأمنية متشابكة، تتطلب مسارات تفاوضية قادرة على التعامل مع ملفات شديدة التعقيد، حيث لا يمكن لأي طرف أن يحقق جميع أهدافه بصورة منفردة.
معادلة صعبة بين القوة والمرونة
ويرى مراقبون أن تصريحات قرقاش تسلط الضوء على أحد أبرز تحديات الدبلوماسية الحديثة: كيف يمكن الحفاظ على قوة الموقف من دون تحويلها إلى تصلب، وكيف يمكن إبداء المرونة من دون أن تتحول إلى ضعف؟
وتزداد أهمية هذه المعادلة في المفاوضات المرتبطة بالأزمات والصراعات، حيث يمكن لأي خطوة غير محسوبة أن تؤدي إلى تصعيد يصعب احتواؤه، بينما يمكن للتنازل غير المدروس أن يخلق واقعًا يصعب التراجع عنه لاحقًا.
ومن هنا، فإن المفاوض الناجح لا يكتفي بمعرفة ما يريد، بل يحتاج أيضًا إلى معرفة ما يستطيع تحقيقه، وما يستطيع الطرف المقابل تقديمه، وما الكلفة المحتملة لاستمرار المواجهة أو فشل المفاوضات.
الدبلوماسية كإدارة للخيارات
وتبرز في تصريحات قرقاش أهمية التعامل مع الدبلوماسية باعتبارها إدارة للخيارات وليس مجرد تبادل للمواقف، إذ إن امتلاك أكثر من مسار للتعامل مع الأزمة يمنح المفاوض مساحة أكبر للمناورة ويحافظ على فرص الوصول إلى تسوية.
وفي المقابل، فإن حصر الموقف في خيار واحد، خصوصًا إذا كان قائمًا على التصعيد أو الرفض المطلق، قد يقلص هامش الحركة ويجعل العودة إلى طاولة الحوار أكثر صعوبة.
وتشير الرسالة التي طرحها قرقاش إلى أن التوازن الدبلوماسي لا يعني الوقوف في منتصف الطريق دائمًا، وإنما معرفة متى يكون الحزم ضروريًا، ومتى تصبح المرونة أكثر فاعلية، وكيف يمكن استخدام كل منهما لخدمة المصلحة الوطنية.
وفي ظل الأزمات المتلاحقة التي يشهدها الإقليم والعالم، تظل القدرة على قراءة موازين القوة بدقة، وتجنب المبالغة، والحفاظ على قنوات الحوار من أهم أدوات إدارة الصراعات ومنع تحول الخلافات السياسية إلى أزمات مفتوحة.










