طهران – المنشر_الاخباري
دخلت مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التعثر، بعدما انتهت المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق نهائي من دون حسم الملفات الرئيسية، وفي مقدمتها العقوبات الأميركية، والأصول الإيرانية المجمدة، والبرنامج النووي، ومستقبل مضيق هرمز والوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
وكانت مذكرة التفاهم التي وُقعت في يونيو/حزيران 2026 قد هدفت إلى تثبيت وقف العمليات العسكرية وفتح الطريق أمام مفاوضات أوسع بشأن تسوية دائمة. ونصت الوثيقة على التفاوض على اتفاق نهائي خلال مدة تصل إلى 60 يوما، مع إمكانية تمديدها بموافقة الطرفين.
طهران: المشكلة في التنفيذ وليس في المهلة
وتقول طهران إن ما تسميه واشنطن مهلة زمنية لا يعني انتهاء التفاهم تلقائيا، مشيرة إلى أن جوهر الأزمة يتمثل في عدم تنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وبحسب الرواية الإيرانية، تضمنت المذكرة التزامات أميركية تتعلق برفع الحصار البحري، وتسهيل صادرات النفط الإيرانية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وعدم فرض عقوبات جديدة خلال فترة التفاوض، إضافة إلى بحث ترتيبات طويلة الأمد بشأن البرنامج النووي.
وتشير الوثيقة المنشورة إلى أن الولايات المتحدة تعهدت بالبدء فورا في إزالة الحصار البحري وإنهائه خلال 30 يوما، بينما تعهدت إيران ببذل أقصى جهودها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز لمدة 60 يوما. كما تضمنت المذكرة بحث خطة لإعادة إعمار وتنمية إيران بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار، وإنهاء العقوبات وفق جدول يتم الاتفاق عليه.
مضيق هرمز في قلب الخلاف
تحول مضيق هرمز إلى أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، في ظل ارتباط حركة الملاحة بتنفيذ الالتزامات المتبادلة.
وتقول طهران إن فتح المضيق لا يمكن أن يكون خطوة منفصلة عن بقية بنود التفاهم، وتطالب، وفق تصريحات مسؤولين إيرانيين، بإنهاء ما تعتبره حصارا على موانئها، ورفع العقوبات، والإفراج عن أصولها المجمدة، وإنهاء العمليات العسكرية والضغوط الأميركية.
وفي المقابل، تصر واشنطن على ضرورة ضمان حرية الملاحة في الممر المائي الاستراتيجي. وتعمل دول إقليمية، بينها قطر وباكستان وعُمان، على إبقاء قنوات الوساطة مفتوحة بهدف تخفيف التوتر والتوصل إلى ترتيبات تسمح بعودة الملاحة بصورة أكثر استقرارا.
ويمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، ما يجعل أي اضطراب طويل الأمد فيه ذا تداعيات مباشرة على أسواق النفط والشحن والطاقة.
العقوبات والأصول المجمدة
ولا يزال الملف الاقتصادي أحد أكبر العوائق أمام استئناف المفاوضات.
فبينما تطالب إيران برفع العقوبات وإتاحة أصولها المجمدة، تقول الرواية الإيرانية إن استمرار الضغوط الاقتصادية يتعارض مع مبدأ الالتزامات المتبادلة الذي قامت عليه مذكرة التفاهم.
وتشير بيانات منشورة عن المذكرة إلى أن واشنطن تعهدت بإصدار إعفاءات تسمح بتصدير النفط الإيراني، إلى جانب توفير التراخيص اللازمة لاستخدام الأصول والأموال الإيرانية المجمدة. كما تضمنت الوثيقة التزاما أميركيا بعدم فرض عقوبات جديدة خلال فترة التفاوض.
لكن هذه الترتيبات لم تتحول إلى اتفاق نهائي، فيما تصاعدت الضغوط الاقتصادية الأميركية مجددا، الأمر الذي زاد من صعوبة إعادة بناء الثقة بين الطرفين.
الملف النووي.. العقدة الأكثر حساسية
ويأتي البرنامج النووي الإيراني في صلب أي مفاوضات مقبلة.
وتنص مذكرة التفاهم على أن إيران لا تسعى إلى تطوير أسلحة نووية، مع الاتفاق على بحث آلية للتعامل مع المواد النووية المخصبة تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى التفاوض بشأن مستقبل برنامج التخصيب والاحتياجات النووية الإيرانية ضمن اتفاق نهائي.
لكن الخلافات بشأن الضمانات وآليات التحقق والعقوبات ومستقبل التخصيب تجعل الوصول إلى تسوية شاملة أكثر تعقيدا.
طهران تطالب بضمانات أقوى
وترى إيران أن التجربة الأخيرة أثبتت، من وجهة نظرها، أن توقيع اتفاق سياسي لا يكفي لضمان استمراره.
ولهذا تبرز مطالب إيرانية بالحصول على ضمانات أكثر قوة، وآليات واضحة للتحقق من تنفيذ الالتزامات، إلى جانب إجراءات يمكن تنفيذها بصورة متزامنة ومرحلية، بحيث يقابل كل إجراء أميركي خطوة إيرانية مقابلة.
كما يطرح خبراء إيرانيون، وفقا للمادة الأصلية، فكرة أن تكون بعض الالتزامات الأميركية مدعومة بآليات قانونية وسياسية أكثر صرامة، بما يقلل قدرة أي إدارة أميركية لاحقة على التراجع عنها.
وساطات إقليمية لإنقاذ المسار
وفي ظل الجمود، تحاول دول المنطقة إعادة إطلاق المسار الدبلوماسي.
وتكثفت خلال الأيام الأخيرة الاتصالات مع طهران، إذ تعمل قطر وباكستان وعُمان على نقل الرسائل بين الأطراف والبحث عن صيغة تسمح باستئناف الحوار، مع تركيز خاص على مضيق هرمز. وتقول تقارير حديثة إن الوسطاء يسعون إلى صيغة تعيد الملاحة تدريجيا وتخفف المخاطر المرتبطة بحركة السفن.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن ملف هرمز لم يعد قضية بحرية منفصلة، بل أصبح جزءا من معادلة أوسع تشمل الأمن والعقوبات والبرنامج النووي والوجود العسكري الأميركي.
الاقتصاد العالمي يترقب
ويحمل استمرار الأزمة مخاطر تتجاوز حدود إيران والولايات المتحدة، نظرا إلى أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى تجارة الطاقة العالمية.
وفي أسواق النفط، ظلت الأسعار متقلبة مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن حركة الشحن والمفاوضات الأميركية الإيرانية. وتشير بيانات حديثة إلى أن خام برنت سجل نحو 89.66 دولارا للبرميل، بينما بلغ خام غرب تكساس نحو 83.21 دولارا، مع تسجيل الأسعار انخفاضا أسبوعيا رغم استمرار المخاوف بشأن المضيق.
كما بدأت بعض الدول والشركات في البحث عن طرق بديلة لتصدير الطاقة ونقل البضائع، في محاولة لتقليل الاعتماد على الممرات المتأثرة بالتوتر في المنطقة.
مفاوضات جديدة أم مواجهة جديدة؟
مع انتهاء المرحلة الأولى من مذكرة التفاهم، يبدو أن مستقبل العلاقات الإيرانية الأميركية يتوقف على قدرة الوسطاء على إعادة الطرفين إلى طاولة التفاوض.
وتريد طهران، بحسب موقفها المعلن، أن يكون أي اتفاق جديد قائما على التزامات متبادلة وقابلة للتحقق، بينما تريد واشنطن ضمانات بشأن الملاحة والبرنامج النووي والأمن الإقليمي.
وبين الموقفين، يبقى مضيق هرمز الورقة الأكثر حساسية، إذ إن أي تفاهم بشأنه يمكن أن يفتح الباب أمام تهدئة أوسع، بينما قد يؤدي استمرار الخلاف حوله إلى مزيد من الضغوط الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
وتشير التطورات الحالية إلى أن مذكرة إسلام آباد لم تنتج بعد الاتفاق النهائي الذي كان يفترض أن تمهد له، لكنها أبقت الباب مفتوحا أمام مسار تفاوضي جديد، في وقت تحاول فيه دول المنطقة منع عودة المواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن.










