القاهرة – المنشر الإخبارى
في أعقاب حرب استمرت نحو 40 يومًا، تطرح طهران سردية مختلفة تمامًا لما جرى، معتبرة أنها خرجت من المواجهة ليس كطرف منهك، بل كقوة تملك زمام المبادرة عسكريًا وسياسيًا. هذه القراءة لا تعكس فقط موقفًا دعائيًا، بل تكشف عن تحول في طريقة إدارة إيران للصراع، خاصة فيما يتعلق بملفات الطاقة والممرات البحرية والبرنامج النووي.
السيطرة على مضيق هرمز: ورقة القوة الأهم
تضع إيران السيطرة على مضيق هرمز في قلب استراتيجيتها الجديدة، باعتباره أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والغاز. فالمضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات الطاقة العالمية، تحول – وفق الرؤية الإيرانية – من ورقة ضغط محتملة إلى أداة سيادية فعلية تُدار ميدانيًا.
وتشير التحليلات إلى أن طهران لم تعد تتعامل مع المضيق كأداة تفاوض، بل كجزء من سيادتها غير القابلة للمساومة. هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية التحكم في “نقاط الاختناق” في الاقتصاد العالمي، حيث يمكن لأي اضطراب في هذا الممر أن ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة في موقف معقد، إذ تحاول الموازنة بين الحفاظ على تدفق الطاقة وتجنب الانزلاق إلى مواجهة أوسع، خاصة في ظل ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة.
الحرب النفسية وتضارب الروايات
في موازاة التطورات الميدانية، تصاعدت وتيرة الحرب الإعلامية بين الطرفين. فبينما تتحدث طهران عن ثبات موقفها وعدم تقديم أي تنازلات، تروج بعض الروايات الغربية لوجود انقسامات داخلية أو رغبة إيرانية في العودة إلى طاولة المفاوضات.
غير أن المعطيات على الأرض – بحسب التقديرات الإيرانية – تشير إلى عكس ذلك، حيث لم تُسجل تغيرات جوهرية في مواقف طهران منذ بداية التصعيد. بل على العكس، يبدو أن الخطاب الرسمي يتجه نحو مزيد من التشدد، مدعومًا بإحساس بتفوق نسبي في موازين القوة.
زيارة عباس عراقجي إلى إسلام آباد
في هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد كجزء من تحرك دبلوماسي محسوب، يهدف إلى توضيح الموقف الإيراني لحلفاء وشركاء إقليميين، وليس – كما أُشيع – لبدء مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
اللقاء مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف حمل رسائل متعددة، أبرزها أن طهران لا ترفض المسار الدبلوماسي من حيث المبدأ، لكنها تضع شروطًا صارمة لأي انخراط مستقبلي، في مقدمتها رفع الحصار البحري واحترام ما تعتبره “حقوقًا سيادية”.
كما تعكس الوساطة الباكستانية محاولة إقليمية لاحتواء التصعيد، في وقت تتزايد فيه المخاوف من امتداد تأثير الأزمة إلى أسواق الطاقة العالمية.
البرنامج النووي: خط أحمر
يبقى الملف النووي أحد أكثر القضايا حساسية في المشهد الحالي، حيث تؤكد طهران أنه غير قابل للتفاوض تحت الضغط. وترى أن أي حوار مستقبلي يجب أن يقوم على أساس الاعتراف بحقوقها، وليس فرض شروط جديدة.
هذا الموقف يعكس تحولًا في المقاربة الإيرانية، من الدفاع عن البرنامج إلى اعتباره جزءًا من السيادة الوطنية، وهو ما يزيد من تعقيد أي مسار تفاوضي محتمل.
أوراق غير مستخدمة… واستراتيجية الانتظار
أحد أبرز ملامح الاستراتيجية الإيرانية الحالية هو الاحتفاظ بما تصفه بـ”الأوراق غير المستخدمة”، سواء على المستوى العسكري أو السياسي. هذه المقاربة تقوم على مبدأ التصعيد المحسوب، دون استنفاد كل أدوات الضغط دفعة واحدة.
ويرى محللون أن هذا النهج يمنح طهران مرونة أكبر في إدارة الصراع، ويتيح لها التكيف مع تطورات المشهد الدولي، خاصة في ظل التغيرات المتسارعة في موازين القوى العالمية.
الاقتصاد والطاقة: قلب المعادلة
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن البعد الاقتصادي، إذ ترتبط الأزمة بشكل مباشر بأسواق النفط والغاز، وبالتالي بالاقتصاد العالمي ككل. فكل تحرك في مضيق هرمز، أو أي اضطراب في صادرات الطاقة، ينعكس فورًا على الأسعار والتضخم وسلاسل التوريد.
وفي هذا الإطار، تتحول المواجهة من صراع عسكري تقليدي إلى معركة على مفاتيح الاقتصاد العالمي، حيث تلعب الطاقة والبتروكيماويات دورًا محوريًا في تحديد موازين القوة.
إلى أين يتجه المشهد؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية مع الاقتصادية والجيوسياسية. فإيران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع جديدة، بينما تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها احتواء هذا التحول دون خسائر استراتيجية كبيرة.
لكن المؤكد أن ما بعد 2026 لن يشبه ما قبله، وأن ملف الطاقة – من مضيق هرمز إلى سلاسل الإمداد العالمية – سيظل في قلب هذا الصراع، باعتباره العامل الحاسم في رسم ملامح النظام الدولي القادم.








