طهران – المنشر الإخبارى
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، صعّد المجلس الأعلى لحقوق الإنسان في إيران من لهجته تجاه الولايات المتحدة، معتبرًا أن الإجراءات الأخيرة التي استهدفت الموانئ الإيرانية والسفن التجارية تمثل تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع، من مواجهات سياسية وعسكرية إلى ما وصفه بـ“استهداف مباشر للمدنيين وحقوقهم الأساسية”. ويعكس هذا الموقف رؤية إيرانية تعتبر أن أدوات الضغط لم تعد تقتصر على العقوبات أو التحركات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى تعطيل شرايين الحياة الاقتصادية المرتبطة بالتجارة البحرية والإمدادات الحيوية.
إدانة الهجوم على السفينة “توسكا”
في بيان رسمي، أدان المجلس ما وصفه بالهجوم المسلح الذي استهدف السفينة التجارية Touska في المياه العُمانية، معتبرًا أن ما جرى لا يمكن تصنيفه كإجراء أمني أو عسكري مشروع، بل يمثل سلوكًا يتجاوز الأعراف الدولية المنظمة لحركة الملاحة. وأوضح أن استهداف سفينة تجارية واحتجاز طاقمها يعكس تحولًا نحو استخدام القوة في غير موضعها، خاصة عندما يتعلق الأمر بوسائل نقل مدنية يفترض أن تحظى بالحماية وفق القوانين البحرية الدولية، وهو ما يفتح الباب أمام سابقة قد تهدد أمن التجارة العالمية بشكل أوسع.
الحصار البحري وتأثيره على الداخل الإيراني
لم يقتصر الانتقاد على حادثة السفينة، بل امتد ليشمل الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، والذي وصفه البيان بأنه إجراء واسع النطاق يطال حياة ملايين المدنيين بشكل مباشر. وأشار المجلس إلى أن هذا الحصار أدى إلى تقييد تدفق السلع الأساسية، بما في ذلك الأدوية والمواد الغذائية والوقود، وهو ما ينعكس تدريجيًا على مستويات المعيشة والاستقرار الاجتماعي داخل البلاد. ويرى أن هذه التداعيات تكشف أن الهدف لم يعد مجرد الضغط السياسي، بل خلق واقع اقتصادي ضاغط يمس الحياة اليومية للمواطنين، ويؤثر على قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
انتهاك الحقوق الأساسية للمدنيين
وأكد البيان أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكًا واضحًا لمجموعة من الحقوق التي تكفلها المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الحق في الأمن الشخصي والعيش الكريم والعمل. واعتبر أن احتجاز طاقم السفينة مثال مباشر على تجاوز هذه الحقوق، حيث يضع الأفراد في وضع قسري يحرمهم من حريتهم ويعرضهم لمخاطر نفسية وجسدية. كما أشار إلى أن مثل هذه الممارسات تخلق بيئة من عدم اليقين والخوف، لا تقتصر آثارها على الضحايا المباشرين، بل تمتد إلى قطاعات أوسع مرتبطة بالنقل البحري والتجارة الدولية.
خرق لاتفاق وقف إطلاق النار
وفي سياق متصل، ربط المجلس بين هذه التطورات واتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 8 أبريل، معتبرًا أن استمرار الحصار البحري يمثل خرقًا واضحًا لهذا الاتفاق. وأوضح أن أي إجراءات عسكرية أو شبه عسكرية تستهدف البنية الاقتصادية أو المدنية خلال فترة التهدئة تقوض فرص الاستقرار، وتعيد التصعيد إلى نقطة البداية، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بالاتفاقات المبرمة بين الأطراف المعنية.
اتهامات بارتكاب جرائم حرب
ذهب البيان إلى توصيف أكثر حدة، معتبرًا أن العمليات الأمريكية في البحر قد ترقى إلى مستوى جرائم الحرب، في ظل ما وصفه بعدم الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب والاحتياط، وهي المبادئ الأساسية التي تحكم سلوك الأطراف في النزاعات المسلحة. وأشار إلى أن استهداف منشآت غير عسكرية أو وسائل نقل مدنية، إلى جانب التأثير المباشر على السكان، يعزز هذا التوصيف، ويضع هذه الإجراءات تحت مجهر القانون الدولي الإنساني.
دعوات لتحرك دولي ومساءلة قانونية
وفي ختام بيانه، دعا المجلس المجتمع الدولي إلى التحرك، مطالبًا المؤسسات الأممية المعنية بحقوق الإنسان بالتدخل لتقييم الوضع بشكل رسمي، والاعتراف بما وصفه بأنه “عقاب جماعي” بحق الشعب الإيراني. كما شدد على ضرورة فتح تحقيقات لتحديد المسؤوليات، ومحاسبة الأطراف المعنية، إلى جانب المطالبة بتعويضات للمتضررين من هذه الإجراءات، سواء من طاقم السفينة أو من المدنيين الذين تأثروا بالحصار.
تحذير من تداعيات الصمت الدولي
وحذر البيان من أن تجاهل هذه التطورات أو التعامل معها بصمت قد يؤدي إلى ترسيخ سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، حيث تصبح الإجراءات التي تستهدف المدنيين جزءًا من أدوات الصراع المقبولة. وأكد أن استمرار هذا النهج قد يقوض الأسس التي يقوم عليها القانون الدولي الإنساني، ويفتح المجال أمام مزيد من التصعيد، في منطقة تعاني بالفعل من مستويات مرتفعة من التوتر وعدم الاستقرار.









