طهران تؤكد امتلاكها مخزونات تكفي 30 يومًا وتهاجم خطة ترامب بينما ترتفع أسعار النفط عالميًا وسط توتر متصاعد في الخليج
طهران – المنشر الإخباري
في مشهد يعكس تصاعد التوتر بين طهران وواشنطن حول واحد من أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد العالمي، أعلنت وزارة النفط الإيرانية أن الحظر البحري الأمريكي المفروض على صادرات النفط الإيرانية لم يحقق الهدف الذي رُوّج له في واشنطن، والمتمثل في شل حركة التصدير أو دفع الاقتصاد الإيراني إلى الانهيار السريع.
وأكدت طهران أن لديها من المرونة التشغيلية والقدرة التخزينية ما يسمح لها بمواصلة إدارة قطاع النفط حتى في ظل القيود المفروضة، مشيرة إلى أن المخزونات الحالية تكفي لفترة قد تمتد إلى نحو ثلاثين يومًا، وهو ما يمنحها مساحة زمنية لإعادة تنظيم عمليات الإنتاج والتصدير دون توقف كامل.
استمرار تدفق النفط الإيراني رغم القيود البحرية
ورغم التشديدات الأمريكية على حركة الملاحة المرتبطة بإيران، تشير المعطيات الواردة من مصادر إيرانية إلى أن صادرات النفط لم تتوقف بشكل كامل، بل استمرت بوتيرة أقل عبر قنوات مختلفة داخل وخارج الخليج. وتؤكد هذه المصادر أن إيران لا تزال الدولة الوحيدة التي تمكنت من الحفاظ على جزء من تدفق صادراتها النفطية في المنطقة منذ تصاعد الإجراءات البحرية.
ويأتي ذلك في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة فرض قيود صارمة على السفن المرتبطة بإيران في نطاقات بحرية واسعة تشمل مضيق هرمز وبحر عُمان وأجزاء من المحيط الهندي، وهو ما أدى إلى تباطؤ واضح في حركة الشحن، لكنه لم يصل إلى مستوى الشلل الكامل الذي كانت تراهن عليه واشنطن.
موقف إيراني متشدد: “النتائج صفرية”
داخل طهران، برز خطاب رسمي أكثر حدة، حيث شدد وزير النفط الإيراني محسن باكنجاد على أن الإجراءات الأمريكية لن تحقق نتائج ملموسة، مؤكدًا أن الاقتصاد النفطي الإيراني يمتلك أدوات تكيف قادرة على امتصاص الصدمات.
وأشار إلى أن ما تقوم به الولايات المتحدة لا يستند إلى أساس قانوني من وجهة نظر إيران، واصفًا القيود المفروضة على حركة السفن بأنها تجاوز واضح للأعراف الدولية التي تنظم الملاحة والتجارة في المياه الدولية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة.
الرهان الأمريكي على انهيار التخزين الإيراني
في المقابل، كانت الإدارة الأمريكية قد بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها على فرضية أن إغلاق منافذ التصدير سيؤدي إلى امتلاء خزانات النفط داخل إيران بشكل سريع، ما يخلق ضغطًا اقتصاديًا هائلًا يدفع طهران إلى التراجع في وقت قصير.
وتصاعد هذا الخطاب مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي توقع أن تصل الخزانات الإيرانية إلى حدها الأقصى خلال أيام قليلة، محذرًا من أن البنية النفطية الإيرانية قد تواجه ما وصفه بـ“انفجار” نتيجة تراكم الإنتاج وعدم القدرة على التصدير.
لكن مرور الأيام دون حدوث انهيار فعلي في القطاع النفطي الإيراني فتح الباب أمام تساؤلات حول دقة التقديرات الأمريكية، خاصة في ظل استمرار إيران في إدارة جزء من صادراتها بطرق بديلة.
ردود داخلية ساخرة داخل البرلمان الإيراني
داخل المؤسسات السياسية الإيرانية، لم يمر التصعيد الأمريكي دون ردود تحمل طابعًا ساخرًا، حيث علق رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على التصريحات الأمريكية السابقة، معتبرًا أنها اعتمدت على تقديرات غير دقيقة بشأن قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود.
وأشار قاليباف إلى أن السيناريو الذي تم الترويج له حول “انهيار خلال أيام” لم يتحقق على أرض الواقع، مضيفًا أن إيران تمتلك خبرة تراكمية في التعامل مع العقوبات والضغوط الاقتصادية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التكيف مقارنة بالتوقعات الخارجية.
قفزة كبيرة في أسعار النفط العالمية
على المستوى الدولي، انعكست الأزمة بشكل مباشر على أسواق الطاقة، حيث شهدت أسعار النفط ارتفاعًا حادًا مع تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات العالمية.
وسجل خام برنت قفزة وصلت إلى نحو سبعة في المئة، متجاوزًا حاجز 126 دولارًا للبرميل، في حين ارتفع خام غرب تكساس إلى مستويات قريبة من 109 دولارات، وهو ما يعكس حالة القلق في الأسواق من احتمالية حدوث اضطراب واسع النطاق في تدفقات النفط العالمية.
ويُعد هذا الارتفاع من بين الأعلى منذ الأزمة الجيوسياسية التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية، ما يعكس هشاشة السوق أمام أي توترات في منطقة الخليج.
تحذيرات من مرحلة أسعار غير مستقرة
في ظل استمرار الأزمة، بدأت تحليلات اقتصادية تتحدث عن احتمال دخول سوق النفط في مرحلة طويلة من التقلبات الحادة، خاصة إذا استمر التصعيد السياسي والعسكري بين الأطراف المعنية.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الأسعار قد تواصل الارتفاع في حال توسعت القيود أو حدثت اضطرابات إضافية في خطوط الملاحة، مع احتمال وصول الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة إذا تصاعدت الأزمة بشكل أكبر.
روايتان متناقضتان حول فعالية الحظر
تقدم الولايات المتحدة رواية مختلفة تمامًا، حيث تؤكد أن الحظر البحري بدأ يؤتي ثماره بالفعل، مستندة إلى بيانات عسكرية تشير إلى تعطيل عدد كبير من الناقلات النفطية المرتبطة بإيران، ومنعها من الوصول إلى الأسواق العالمية.
وتقول واشنطن إن عشرات السفن أصبحت غير قادرة على نقل أو بيع النفط، بينما تم تحويل مسار عدد آخر من السفن التجارية خلال محاولات تجاوز القيود، وهو ما تعتبره الإدارة الأمريكية دليلًا على نجاح الاستراتيجية المتبعة.
إيران تعتمد على إدارة الوقت والمخزون
في المقابل، ترى طهران أن المعركة الحالية ليست معركة لحظية، بل هي اختبار للقدرة على إدارة الموارد تحت الضغط. وتعتمد إيران على مجموعة من الآليات تشمل تخزين النفط في ناقلات عائمة، وإعادة تنظيم الإنتاج، وتوجيه جزء من الإمدادات إلى الاستخدام المحلي لتخفيف الضغط على الصادرات.
كما تشير التقديرات إلى أن إيران قد تلجأ إلى خفض تدريجي في الإنتاج بدلاً من الإغلاق الكامل، وهو ما يسمح لها بالحفاظ على تشغيل الحقول النفطية دون تعرضها لأضرار طويلة المدى.
يتضح من تطورات الأزمة أن الصراع حول النفط الإيراني لم يعد مجرد ملف اقتصادي، بل تحول إلى ساحة مواجهة استراتيجية بين واشنطن وطهران، حيث تحاول كل جهة فرض معادلتها الخاصة على سوق عالمي شديد الحساسية.
وبينما تراهن الولايات المتحدة على خنق الصادرات عبر الحظر البحري، تؤكد إيران أنها قادرة على امتصاص الصدمة وإطالة أمد المواجهة، في وقت تتفاعل فيه الأسواق العالمية بارتفاعات حادة تعكس حجم المخاطر وعدم اليقين الذي يحيط بإمدادات الطاقة في العالم.










