أثارت قضية بث خارطة غير دقيقة للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية عبر شاشة القناة الوطنية الأولى التونسية جدلاً إعلامياً ودبلوماسياً واسعاً، تجاوزت أصداؤه منصات التواصل الاجتماعي لتصل إلى مستوى الهيئات والمؤسسات الرسمية في كلا البلدين الجارين.
وجاء هذا التطور البارز عقب موجة من الاستياء العارم والاحتجاجات الرقمية الحادة من قبل نشطاء ومتابعين جزائريين اعتبروا المساس بحدود بلادهم الجغرافية أو التقليل من سيادتها الترابية خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه تحت أي مبرر، متسائلين عن غياب آليات التدقيق والمراجعة المعتمدة في الإعلام الرسمي التونسي قبل عرض المواد البصرية الحساسة.
وفي محاولة عاجلة لاحتواء الأزمة المتصاعدة وتفادي أي ارتدادات سلبية على العلاقات الثنائية الاستراتيجية، تقدمت مؤسسة التلفزة التونسية، يوم 12ونيو 2026، “بخالص الاعتذار إلى الجزائر الشقيقة، شعباً ومؤسسات إعلامية”. وأوضحت المؤسسة، في بيان رسمي، أن هذا الإجراء جاء “على إثر بثّ خريطة خلال برنامج ‘أستوديو المونديال’، تمّ تنزيلها من شبكة الإنترنت دون التثبت الكافي من محتواها، وتبيّن لاحقاً أنها تتضمن إساءة واضحة ومباشرة للجزائر”.
وشددت المؤسسة العمومية التونسية في بيانها على أن “ما حدث كان خطأ فنياً وبصرياً غير مقصود بالمرة، ولا يعكس بأي حال من الأحوال مواقف التلفزة التونسية أو توجهاتها التحريرية والدبلوماسية”.
واغتنمت المؤسسة هذه المناسبة لتجدد “اعتزازها الراسخ بمتانة العلاقات الأخوية والتاريخية والعميقة التي تجمع بين تونس والجزائر وشعبيهما الشقيقين”.
وكانت الخارطة المثيرة للجدل قد ظهرت على الشاشة أثناء البث المباشر لبرنامج “أستوديو المونديال”، وهو البرنامج الرئيسي المخصص لتغطية وتحليل مباريات بطولة كأس العالم 2026. حيث تضمنت الخارطة المعروضة للقارة الإفريقية حدوداً للجزائر غير متطابقة مع الحدود الرسمية والمعترف بها دولياً، مما اعتبره مهتمون تقصيراً في آليات التدقيق والرقابة البصرية المسبقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بخرائط سياسية ذات حساسية بالغة في المنطقة المغاربية بأكملها، مما يفتح الباب مجدداً للنقاش حول المعايير المهنية المتبعة في القنوات الحكومية.
وفي مقابل الاعتذار الرسمي والتضامن الشعبي الواسع، برزت قراءات ومواقف مغايرة دعت إلى الفصل بين الهفوات المهنية والملفات السياسية والدبلوماسية.
وفي هذا السياق، علق المحلل السياسي التونسي سامي الجلولي تحت عنوان “لهذا لن نعتذر!”، معبراً عن وجهة نظر مستقلة أثارت بدورها نقاشاً حاداً.
واعتبر الجلولي أن مطالبة بعض وسائل الإعلام الجزائرية للدولة التونسية باعتذار رسمي يمثل “محاولة لتحميل الدولة مسؤولية عمل إعلامي فردي، وسعياً لانتزاع قرار سياسي يمثل سابقة غير مستقيمة في الدول التي تفصل تماماً بين العمل الإعلامي المستقل والعمل الدبلوماسي الرسمي”، خاصة وأن المذيع التونسي كان قد قدم اعتذاراً علنياً واضحاً في الحلقة الموالية للبرنامج نفسه وعلى الشاشة ذاتها، وهو أمر اعتبره كافياً وشافياً للمسألة برمتها ولا يستدعي تضخيماً سياسياً.
وأشار الجلولي في قراءته التحليلية إلى أن تونس بلد يقدّر حسن الجوار ويمتلك أبناؤه الشجاعة الأخلاقية للاعتذار المهني, لكنه يرفض تحويل الهفوات العابرة إلى أدوات لابتزاز الأمة التونسية أو النيل من سيادتها وهيبتها.
واستحضر المحلل التونسي جملة من المحطات التاريخية والتصريحات التي اعتبرها استفزازية وصدرت في الماضي من مسؤولين ونواب ومشاهير جزائريين دون أن تقدم الجزائر عنها اعتذاراً رسمياً، مفضلاً التذكير بها طالما أراد البعض اللعب بورقة الاعتذارات الرسمية والسياسية بين البلدين.
ومن بين تلك الحوادث، أشار الجلولي إلى تصريحات النائب السابق هواري تيغرسي الذي وصف تونس بالولاية الجزائرية، واتهامات وزير التجارة الأسبق كمال رزيق بشأن تصدير التمور، ولقطة اللاعب الأسبق علي بن شيخ المقللة من حجم تونس الجغرافي، وصولاً إلى التدفقات غير النظامية للمهاجرين الأفارقة عبر الحدود المشتركة، فضلاً عن الأحداث الأمنية والتاريخية الكبرى كعملية “سندس” الإرهابية عام 1995 وأحداث “قفصة” عام 1980.
واختتم الجلولي قراءته بالتأكيد على أن تونس لم تطالب يوماً باعتذارات رسمية عن تلك التجاوزات السابقة، بل كانت تؤثر دائماً رد الفعل الميداني الصامت والمعالجة الرصينة لجميع الأزمات العابرة، مشدداً على أن الاحترام المتبادل والتعامل بندية يجب أن يظل هو وحدة القياس الثابتة بين البلدين الشقيقين دون الدخول في تجاذبات سياسية عقيمة.
وأوضح أن موقفه هذا لا يمثل الموقف الرسمي التونسي بل هو تعبير حر يلزمه وحده فقط، مما يفتح آفاقاً جديدة للمكاشفة الحقيقية والعميقة بين النخب الإعلامية في تونس والجزائر لضمان استقرار المنطقة المستقبلي.










