تشهد جمهورية مالي تحولات ميدانية عاصفة أعادت رسم خارطة النفوذ في منطقة الساحل الإفريقي، حيث حققت القوى الانفصالية مكاسب استراتيجية غير مسبوقة وضعت الوجود العسكري الروسي وسلطة المجلس العسكري في باماكو أمام اختبار وجودي.
سقوط “تيساليت”: انتكاسة كبرى للفيلق الروسي
في تطور ميداني بارز، تمكن مقاتلو “جبهة تحرير أزواد” من السيطرة الكاملة على بلدة وقاعدة “تيساليت” العسكرية، التي تُعد أكبر القواعد الروسية في شمال مالي وبالقرب من الحدود الجزائرية.
ولم يقتصر الهجوم على الثكنات، بل شمل المطار العسكري الاستراتيجي القادر على استقبال الرحلات الدولية، والذي كان يمثل الشريان اللوجستي للفيلق الإفريقي لنقل المرتزقة والأسلحة إلى دول الساحل. وأفادت التقارير أن مئات الجنود الروس فضلوا الانسحاب عبر “ممر آمن” فجر اليوم لتجنب القتال، في مشهد يكرر سيناريو انسحابهم السابق من مدينة كيدال.
الأزواد يرفضون تهمة الإرهاب
من جانبها، أصدرت جبهة تحرير أزواد بياناً رسمياً رفضت فيه وصفها بـ”الإرهابية”، مؤكدة أن تحركاتها تستند إلى حق تقرير المصير وتنسجم مع القانون الدولي الإنساني.
واتهمت الجبهة النظام العسكري في باماكو بمحاولة نزع الشرعية عنها عبر هذه الاتهامات، محملة السلطات وحلفاءها من “المرتزقة الروس” مسؤولية ارتكاب انتهاكات جسيمة ومجازر خارج القانون منذ عام 2023.
كما دعت المجتمع الدولي لحماية المدنيين، مشددة على أنها لا تكنُّ العداء لأطراف دولية أو إقليمية.
تحالفات جديدة وتغيير قواعد اللعبة
دخل الصراع مرحلة هي الأبرز منذ اندلاعه، بعد إعلان “جبهة تحرير أزواد” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” عن تنسيق عسكري مباشر لأول مرة، مستهدفين الإطاحة بالمجلس العسكري الذي وصفوه بـ”العقبة الرئيسية” أمام الحل السياسي.
وقد تُرجم هذا التحالف ميدانياً بسقوط مدينة موبتي تحت سيطرة “نصرة الإسلام” مساء 25 أبريل، تزامناً مع سيطرة الأزواد على كيدال.
باماكو: غياب القيادة واستنفار أمني
تعيش العاصمة باماكو حالة استنفار قصوى وسط ضبابية تلف مصير القيادة العليا. فمنذ الهجوم الانتحاري الذي دمر منزل وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، بالكامل، لم يظهر الأخير علناً، مما عزز فرضية مقتله.
كما لُوحظ غياب تام للرئيس أسيمي غويتا عن المشهد الإعلامي، في وقت تكتفي فيه الحكومة بالحديث عن أرقام ضئيلة للإصابات لا تتماشى مع حجم الدمار والانهيارات الميدانية المتلاحقة.
إدانات دولية ودعوات لرد إقليمي
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أعرب الاتحاد الأفريقي عن قلقه البالغ إزاء التصعيد، فيما دعا الرئيس السنغالي، باسيرو ديوماي فاي، إلى رد إقليمي منسق لمواجهة الهجمات الواسعة، مؤكداً تضامنه مع الشعب المالي في هذه الأزمة التي تهدد استقرار المنطقة بأكملها.










