تحرك غير مسبوق داخل الكونغرس يضغط على إدارة ترامب للاعتراف بالقدرات النووية الإسرائيلية وسط تصاعد التوتر الإقليمي
واشنطن – المنشر الإخبارى
في تطور سياسي غير مسبوق داخل الولايات المتحدة، طالب عشرات النواب الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي الإدارة الأمريكية بالكشف رسميًا عن حقيقة الترسانة النووية الإسرائيلية، في خطوة قد تفتح واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات الأمريكية ـ الإسرائيلية منذ عقود.
وجاءت المطالبات عبر رسالة رسمية وُجهت إلى وزارة الخارجية الأمريكية، دعا فيها نحو 30 نائبًا ديمقراطيًا إلى تقديم توضيحات بشأن القدرات النووية الإسرائيلية، وحجم الأسلحة التي تمتلكها تل أبيب، إضافة إلى ما وصفوه بـ”حدود ومعايير استخدام هذه الترسانة” في ظل التصعيد العسكري المتواصل في الشرق الأوسط.
ويُنظر إلى هذه الرسالة باعتبارها تحولًا لافتًا في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه إسرائيل، بعدما التزمت الإدارات الأمريكية المتعاقبة، سواء الديمقراطية أو الجمهورية، بسياسة “الغموض المتعمد” حيال البرنامج النووي الإسرائيلي، رغم التقارير الدولية التي تتحدث منذ سنوات عن امتلاك تل أبيب مئات الرؤوس النووية.
نهاية مرحلة “الإنكار السياسي”
ويرى مراقبون أن التحرك الديمقراطي يمثل كسرًا لحالة الصمت التقليدية داخل واشنطن، التي طالما تجنبت الاعتراف العلني بالقدرات النووية الإسرائيلية، في وقت فرضت فيه الولايات المتحدة ضغوطًا وعقوبات صارمة على دول أخرى بسبب برامجها النووية، وعلى رأسها إيران.
وأثارت الرسالة تساؤلات واسعة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأمريكية بشأن ازدواجية المعايير في التعامل مع قضايا الانتشار النووي، خصوصًا مع استمرار التوتر العسكري في المنطقة، واتساع دائرة المواجهة بين إسرائيل وإيران.
وأكد النواب الديمقراطيون في رسالتهم أن من حق الرأي العام الأمريكي والمجتمع الدولي معرفة طبيعة الترسانة النووية الإسرائيلية ومدى خضوعها لأي رقابة أو التزامات قانونية دولية، خاصة في ظل المخاوف المتزايدة من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
مفاعل ديمونا يعود إلى الواجهة
وأعاد الجدل الجديد اسم مفاعل ديمونا النووي إلى صدارة المشهد السياسي والإعلامي، باعتباره القلب الرئيسي للبرنامج النووي الإسرائيلي منذ ستينيات القرن الماضي.
ويقع المفاعل في صحراء النقب جنوب إسرائيل، وتحيط به سرية شديدة منذ تأسيسه، بينما تشير تقديرات مراكز أبحاث دولية إلى أنه لعب دورًا محوريًا في إنتاج المواد الانشطارية اللازمة لتطوير الرؤوس النووية الإسرائيلية.
ورغم أن إسرائيل لم تعلن رسميًا امتلاكها أسلحة نووية، فإن تقارير دولية واستخباراتية عديدة تؤكد امتلاكها واحدة من أكبر الترسانات النووية غير المعلنة في العالم، مع تقديرات تتحدث عن ما بين 80 إلى 400 رأس نووي.
ويُعد البرنامج النووي الإسرائيلي من أكثر الملفات غموضًا في الشرق الأوسط، حيث ترفض تل أبيب الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، كما ترفض السماح بعمليات تفتيش دولية على منشآتها النووية.
الحرب الإقليمية غيّرت المزاج الأمريكي
ويربط محللون بين هذا التحول السياسي داخل الحزب الديمقراطي وبين تداعيات الحرب الأخيرة في المنطقة، خاصة بعد الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران، إضافة إلى استمرار الحرب في غزة والتصعيد في لبنان.
ويقول ناشطون أمريكيون إن صور الحرب والدمار التي انتشرت خلال الأشهر الماضية ساهمت في تغيير نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل، ودفعت العديد من السياسيين إلى إعادة النظر في سياسات الدعم غير المشروط لتل أبيب.
كما ازدادت داخل الولايات المتحدة الأصوات المطالبة بفرض رقابة أكبر على المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وربطها بالقانون الدولي وحقوق الإنسان.
قلق داخل إدارة ترامب
وتزامنت الرسالة مع تقارير إعلامية أمريكية تحدثت عن وجود حالة قلق داخل بعض دوائر إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن طبيعة البرنامج النووي الإسرائيلي، خاصة مع استمرار التوتر الإقليمي وتوسع دائرة الصراع في الشرق الأوسط.
وبحسب تقارير متداولة، فإن بعض المسؤولين الأمريكيين يخشون من تداعيات أي تصعيد غير محسوب قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة، في ظل امتلاك إسرائيل قدرات نووية غير خاضعة للرقابة الدولية.
ويرى خبراء أن مجرد طرح ملف الترسانة النووية الإسرائيلية داخل الكونغرس الأمريكي بهذا الشكل العلني يعكس حجم التحولات التي بدأت تظهر في المشهد السياسي الأمريكي، خصوصًا داخل الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي.
“فعنونو” يعود من جديد
وأعاد الجدل الحالي إلى الواجهة اسم الفني الإسرائيلي مردخاي فعنونو، الذي كشف في ثمانينيات القرن الماضي تفاصيل البرنامج النووي الإسرائيلي لصحيفة بريطانية، قبل أن يتم اختطافه ومحاكمته وسجنه لسنوات طويلة.
ويعتبر فعنونو أحد أبرز الشخصيات المرتبطة بكشف أسرار مفاعل ديمونا، وتحول اسمه إلى رمز عالمي لقضية السرية النووية الإسرائيلية.
ويرى ناشطون أن عودة النقاش حول البرنامج النووي الإسرائيلي تعكس تراجع قدرة تل أبيب على إبقاء هذا الملف خارج دائرة النقاش الدولي، خاصة مع تصاعد الانتقادات الغربية لسياساتها العسكرية في المنطقة.
ضغوط دولية محتملة
ويحذر مراقبون من أن فتح هذا الملف داخل الولايات المتحدة قد يقود إلى ضغوط دولية أوسع على إسرائيل للانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، أو السماح برقابة دولية على منشآتها النووية.
كما قد يؤدي ذلك إلى تصاعد الدعوات لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وهي المبادرة التي طرحتها دول عربية مرارًا خلال العقود الماضية، لكنها واجهت رفضًا إسرائيليًا مدعومًا من واشنطن.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل التمسك بسياسة “الغموض النووي”، التي تعتمد على عدم تأكيد أو نفي امتلاكها أسلحة نووية، معتبرة أن هذه السياسة تشكل جزءًا من استراتيجيتها الأمنية.
تحولات داخل واشنطن
ويرى محللون أن الرسالة الديمقراطية تمثل مؤشرًا على تغير تدريجي في طريقة تعامل بعض النخب السياسية الأمريكية مع إسرائيل، خصوصًا بعد سنوات من الانقسام الداخلي المتزايد حول طبيعة العلاقة بين البلدين.
كما تعكس التحولات الحالية اتساع الفجوة داخل الحزب الديمقراطي نفسه بين التيار التقليدي المؤيد لإسرائيل دون تحفظ، والتيار التقدمي الذي بات أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية في المنطقة.
ويعتقد مراقبون أن هذا الجدل مرشح للتوسع خلال المرحلة المقبلة، خاصة إذا استمرت الحرب الإقليمية وتصاعدت المخاوف من انزلاق الشرق الأوسط إلى مواجهة أوسع قد تشمل أطرافًا دولية وإقليمية متعددة.










