اشتباكات متصاعدة على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية وغارات عنيفة توقع قتلى وتدفع بيروت إلى التحرك السياسي والدبلوماسي
بيروت – المنشر الإخباري
تشهد الساحة اللبنانية تصعيداً عسكرياً هو الأشد منذ أشهر، بعدما وسّعت القوات الإسرائيلية نطاق عملياتها البرية في جنوب لبنان، بالتزامن مع غارات جوية مكثفة طالت مناطق متفرقة في الجنوب والشرق، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى، وأثار مخاوف جدية من انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع في المنطقة.
وأفادت الوكالة الوطنية للإعلام في لبنان بأن الطيران الحربي الإسرائيلي نفذ عشرات الغارات الجوية على بلدات وقرى جنوبية وشرقية، استهدفت مواقع يُعتقد أنها تابعة أو مرتبطة بأنشطة عسكرية لحزب الله، بينما أشارت تقارير أولية إلى مقتل 13 شخصاً على الأقل في حصيلة غير نهائية، وسط استمرار عمليات رفع الأنقاض والبحث عن مفقودين.
وفي مدينة صيدا الساحلية، أفادت المصادر بأن غارة نفذتها طائرة مسيّرة إسرائيلية استهدفت سيارة مدنية، ما أدى إلى مقتل شخصين على الفور، في حادثة أعادت إلى الواجهة المخاوف من توسع دائرة الاستهدافات لتشمل مناطق مكتظة بالسكان خارج نطاق الاشتباكات التقليدية في الجنوب الحدودي.
بالتوازي، أكدت وسائل إعلام لبنانية أن مروحيات هجومية إسرائيلية استهدفت مقاتلين تابعين لحزب الله في محيط قلعة الشقيف الاستراتيجية، عبر إطلاق نار مباشر من رشاشات ثقيلة، في ظل اشتباكات متقطعة تدور في المنطقة الجبلية التي تُعد نقطة تحكم عسكرية مهمة تطل على أجزاء واسعة من جنوب لبنان.
كما أفادت تقارير ميدانية بأن القوات الإسرائيلية تقدمت إلى مناطق أقرب من مدينة النبطية، أحد أهم المراكز الاقتصادية في الجنوب اللبناني، حيث باتت على بعد كيلومترات قليلة من أطراف المدينة، ما يشير إلى تحول في طبيعة العمليات من ضربات جوية محدودة إلى تحركات برية أكثر جرأة وعمقاً.
وتزامن هذا التصعيد مع إعلان حزب الله مسؤوليته عن تنفيذ سلسلة عمليات ضد مواقع عسكرية إسرائيلية في الجليل الأعلى ومناطق حدودية أخرى، في إطار ما وصفه بـ”الرد المستمر على الاعتداءات الإسرائيلية”، الأمر الذي يعكس استمرار نمط الاستنزاف المتبادل بين الطرفين على جانبي الحدود.
سياسياً، دخل الرئيس اللبناني جوزاف عون على خط الأزمة، مؤكداً أن لبنان ماضٍ في مسار تفاوضي يهدف إلى “استعادة دور الدولة وسيادتها الكاملة”، مشدداً على أن بلاده منفتحة على أي مساعدة دولية شرط عدم المساس بالقرار الوطني أو التدخل في الشؤون الداخلية.
وقال عون في تصريحات رسمية إن “الحروب لا تحقق نتائج إلا الخسائر للجميع”، داعياً إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسارات الدبلوماسية، في وقت يواجه فيه لبنان ضغوطاً متزايدة على المستويين الأمني والاقتصادي نتيجة استمرار التوتر على الحدود الجنوبية.
وفي المقابل، شددت مصادر عسكرية إسرائيلية على أن العمليات الجارية تهدف إلى “تحييد البنية العسكرية لحزب الله في الجنوب”، معتبرة أن استمرار إطلاق الصواريخ أو الهجمات عبر الحدود “سيواجه برد أقسى وأكثر عمقاً”، في إشارة إلى احتمال توسيع العمليات خلال الفترة المقبلة.
وتأتي هذه التطورات في ظل حالة ترقب دولي متزايد، حيث حذرت جهات دبلوماسية من أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى انزلاق المنطقة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة، خاصة مع تداخل ساحات الصراع في غزة ولبنان وسوريا، وارتباطها المباشر بحسابات إقليمية ودولية معقدة.
ويرى محللون أن ما يجري على الجبهة اللبنانية يعكس تحولاً تدريجياً في قواعد الاشتباك بين إسرائيل وحزب الله، حيث لم تعد المواجهة محصورة في نطاق الحدود التقليدية، بل امتدت لتشمل استهدافات أعمق وتحركات عسكرية أكثر جرأة، ما يزيد من احتمالات الانفجار في أي لحظة.
كما يشير مراقبون إلى أن تكثيف الغارات والتوغل البري الإسرائيلي قد يكون مرتبطاً بمحاولة فرض معادلات ميدانية جديدة قبل أي تسويات سياسية محتملة، في حين يصر حزب الله على أن أي تغيير في قواعد الاشتباك سيكون له رد مباشر ومتصاعد.
وبينما تتواصل العمليات العسكرية على الأرض، يعيش السكان في الجنوب اللبناني حالة من القلق المتصاعد، مع نزوح محدود من بعض القرى الحدودية، وتضرر البنية التحتية في عدد من المناطق المستهدفة، وسط مخاوف من اتساع نطاق الاستهدافات خلال الأيام المقبلة.
وفي ظل هذا المشهد المتوتر، تبقى احتمالات التهدئة ضعيفة على المدى القريب، مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية بين الطرفين، وغياب أي مؤشرات واضحة على نجاح المساعي الدبلوماسية في احتواء التصعيد.
ويبدو أن جنوب لبنان يقف اليوم على حافة مرحلة جديدة من المواجهة، قد تكون الأكثر خطورة منذ سنوات، في ظل تداخل العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية التي تجعل من أي تطور ميداني صغير شرارة محتملة لانفجار أكبر في المنطقة بأكملها.









