محللون إسرائيليون يحذرون من صعود أنقرة كقوة إقليمية مهيمنة ويعتبرون أن تل أبيب تستعد لـ”الحرب الخطأ”
تل أبيب- المنشر_الاخباري
حذر تقرير تحليلي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية من أن إسرائيل قد تكون منشغلة بمواجهة إيران بينما يتشكل التحدي الاستراتيجي الأخطر على حدودها الشمالية، والمتمثل في صعود تركيا كقوة إقليمية تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط.
ورأى الكاتبان الإسرائيليان ليرون روز وأفنيت كلاينر أن التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة والعالم تفرض على إسرائيل إعادة النظر في أولوياتها الأمنية والاستراتيجية، معتبرين أن “الحرب التي تستعد لها إسرائيل قد لا تكون هي الحرب المقبلة”.
تركيا بدلاً من إيران
وبحسب التقرير، فإن إيران تمثل تهديداً مباشراً لإسرائيل، لكنها في الوقت ذاته تعاني من عزلة دولية تحد من قدرتها على المناورة السياسية والعسكرية.
في المقابل، يرى الكاتبان أن تركيا تقدم نموذجاً مختلفاً وأكثر تعقيداً، إذ تجمع بين القوة الاقتصادية والصناعات العسكرية المتطورة والعضوية في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، فضلاً عن رؤية سياسية توصف بأنها “عثمانية جديدة” تسعى إلى توسيع النفوذ التركي في مناطق كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية.
وأشار التقرير إلى أن تركيا، التي يقترب عدد سكانها من 90 مليون نسمة وتمتلك ثاني أكبر جيش في حلف الناتو، تتصرف بشكل متزايد كقوة إقليمية متوسطة تمتد طموحاتها من البلقان والقوقاز إلى شمال أفريقيا وشرق المتوسط.
وأضاف أن قطاعات واسعة من النخبة السياسية التركية تنظر إلى إسرائيل ليس فقط باعتبارها منافساً إقليمياً، بل كـ”كيان غريب” داخل فضاء كان خاضعاً للنفوذ العثماني.
نفوذ تركي متصاعد
وسلط التقرير الضوء على ما وصفه بـ”التمدد التركي المنظم” في عدد من الملفات الإقليمية، مشيراً إلى أن أنقرة رسخت وجودها العسكري في شمال سوريا، وعززت نفوذها في ليبيا ومنطقة القوقاز، ووسعت حضورها في أفريقيا.
كما لفت إلى مشروع “طريق التنمية” العراقي الذي تدعمه تركيا، والذي يهدف إلى ربط الخليج بأوروبا عبر الأراضي العراقية والتركية، بما يقلص أهمية إسرائيل كممر تجاري بين آسيا وأوروبا.
واعتبر الكاتبان أن تركيا استغلت، وربما ساهمت في تسريع، تفكك الدولة السورية لتعزيز موقعها الجيوسياسي بالقرب من الحدود الشمالية لإسرائيل، مضيفين أن أنقرة تبدو عازمة أيضاً على توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والديني داخل لبنان.
وبحسب التقرير، فإن القلق الإسرائيلي يتمثل في احتمال استغلال تركيا حالة “الإرهاق الاستراتيجي” التي تعاني منها إسرائيل بعد سنوات من الحرب المتواصلة، بهدف ترسيخ موطئ قدم دائم على حدودها الشمالية.
“درس الأكراد”
واستشهد التقرير بما وصفه بـ”الدرس الكردي” لإثبات حجم النفوذ التركي في الإقليم.
وأشار إلى أن إسرائيل لطالما اعتمدت في عقيدتها الأمنية على ما يعرف بـ”تحالف الأطراف”، من خلال بناء علاقات مع قوى غير عربية، وعلى رأسها الأكراد في العراق وسوريا.
ووفقاً للتقرير، فإن تل أبيب وواشنطن بحثتا خلال المواجهة الأخيرة مع إيران إمكانية استثمار الفصائل الكردية لفتح جبهة داخلية ضد طهران، لكن تركيا اعتبرت هذه الخطوة تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
وأضاف أن أنقرة نجحت، عبر الضغوط الدبلوماسية والأدوات الاقتصادية والعسكرية، في التأثير على الحسابات الأمريكية وإفشال تلك المبادرة.
ورأى الكاتبان أن هذه الواقعة تؤكد أن تركيا ليست مجرد لاعب ثانوي، بل قوة إقليمية تمتلك ما يكفي من النفوذ للتأثير على القرارات الأمريكية وإفشال مبادرات استراتيجية إسرائيلية.
إسرائيل والعالم متعدد الأقطاب
وفي جانب آخر، اعتبر التقرير أن إسرائيل ما زالت تفكر بعقلية النظام الدولي أحادي القطب، الذي كانت الولايات المتحدة فيه اللاعب المهيمن وصاحبة الكلمة الفصل في قضايا الشرق الأوسط.
لكن الكاتبين أكدا أن العالم يتجه نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، مع تراجع الرغبة الأمريكية في الانخراط المباشر في الصراعات الطويلة بعد تجربتي العراق وأفغانستان.
ودعا التقرير إسرائيل إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية وعدم الاكتفاء بالتحالف مع الولايات المتحدة، رغم التأكيد على أن العلاقة مع واشنطن تظل “لا غنى عنها”.
وفي هذا السياق، أوصى بتعميق العلاقات مع دول مثل الهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة، إضافة إلى تعزيز الشراكات الإقليمية مع اليونان وقبرص ومصر، وتوسيع النفوذ الإسرائيلي في أفريقيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية.
“التهديد الحقيقي”
وخلص التقرير إلى أن الخطر الأكبر على إسرائيل لا يتمثل في أن تصبح تركيا “إيران جديدة”، بل في أن تتحول إلى القوة الإقليمية المهيمنة بينما تواصل إسرائيل التفكير بعقلية تسعينيات القرن الماضي.
وأضاف أن الدول لا تخسر بسبب هزائم عسكرية مباشرة فقط، بل قد تربح حروب اليوم وتخسر معارك المستقبل إذا فشلت في إدراك التحولات الاستراتيجية الكبرى.
وختم الكاتبان بالقول إن السؤال المطروح أمام إسرائيل ليس ما إذا كانت تمتلك الأدوات اللازمة لتشكيل بيئتها الإقليمية، بل ما إذا كانت تمتلك الإرادة السياسية للانتقال من دولة تتفاعل مع التطورات إلى قوة قادرة على صياغة النظام الإقليمي الجديد.










