من ألمانيا إلى الخليج: حلفاء واشنطن يبحثون عن بدائل أمنية بعيدا عن ترامب
واشنطن- المنشر الاخباري
في الوقت الذي تلوح فيه بوادر “مخرج دبلوماسي” للأزمة العسكرية بين واشنطن وطهران، يبدو أن الإرث الحقيقي لهذه المواجهة لن يقتصر على رماد المعارك في الشرق الأوسط، بل في التصدع العميق الذي أصاب بنية التحالفات الأمريكية التقليدية.
ويرى محللون أن الخلافات والتوترات بين الرئيس دونالد ترامب وحلفائه في الناتو والخليج وآسيا قد تستمر لفترة أطول بكثير من عمر الحرب الإيرانية نفسها.
زلزال في القارة العجوز
لم تكن الحرب ضد إيران، التي بدأت بضربات استباقية في 28 فبراير الماضي، سوى القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقات واشنطن مع أوروبا. فبينما كان الأوروبيون يعانون من صدمة طاقة غير مسبوقة جراء إغلاق مضيق هرمز، فاجأهم ترامب بقرارات عقابية شملت سحب 5000 جندي من ألمانيا، ردا على انتقادات المستشار فريدريش ميرز.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل لوح ترامب بتقليص القوات في إيطاليا وإسبانيا، ملمحا إلى أن واشنطن قد لا تلتزم مستقبلا ببند “الدفاع المشترك” (المادة الخامسة) في معاهدة الناتو.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، بوضوح: “الرئيس لن يسمح باستغلال الولايات المتحدة من قبل ما يسمى بالحلفاء”، في إشارة إلى رفض بعض الدول استخدام قواعدها العسكرية لضرب إيران.
اهتزاز الثقة في الخليج وآسيا
وعلى الجبهة الشرقية، لم يكن الوضع أفضل حالا؛ فالحلفاء الخليجيون الذين وجدوا أنفسهم في خط المواجهة، أصيبوا بخيبة أمل مريرة عندما قلل ترامب من شأن الهجمات الصاروخية الإيرانية التي استهدفت ميناء الفجيرة الإماراتي الحيوي، واصفا إياها بأنها “طفيفة”.
هذا التجاهل الأمريكي للمخاوف الأمنية الوجودية لشركاء الخليج أثار تساؤلات جدية حول مدى موثوقية واشنطن كضامن أمني في أي أزمة مستقبلية.
وفي آسيا، تنظر دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية بقلق متزايد إلى تقلبات ترامب. فالدول التي تعتمد كليا على تدفق النفط عبر مضيق هرمز، باتت تخشى أن تؤدي ضغوط ترامب الاقتصادية الداخلية، وتركيزه على شعار “أمريكا أولا”، إلى تخليه عن حماية حلفائه في حال حدوث مواجهة مع الصين بشأن تايوان.
وعبر وزير خارجية اليابان السابق، تاكيشي إيوايا، عن هذا القلق بقوله: “الثقة والاحترام تجاه الشريك الأساسي (أمريكا) آخذة في التضاؤل”.
المستفيدون من “الفوضى الاستراتيجية”
بينما تنشغل واشنطن بترميم شروخ تحالفاتها، تقف روسيا والصين في موقع المراقب المستفيد. فروسيا حصدت مكاسب اقتصادية ضخمة من ارتفاع أسعار الطاقة، بينما استغلت الصين انشغال القوات الأمريكية في الشرق الأوسط لتعزيز نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مروجة لنفسها كـ “شريك عالمي أكثر استقرارا” مقارنة بإدارة ترامب التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها.
الرهان على “الذات”
وردا على هذا السلوك المتقلب، بدأ الحلفاء التقليديون في “التحوط لرهاناتهم”. فقد كثفت الحكومات الأوروبية جهودها لزيادة التعاون الدفاعي المشترك لتقليل الاعتماد على المظلة الأمريكية، وهو مسار قد يستغرق سنوات لكنه بدأ بالفعل.
وفي الختام، يظل السؤال القائم: هل كانت الحرب الإيرانية مجرد سحابة صيف في علاقات واشنطن الدولية، أم أنها “نقطة تحول” دائمة؟ يعتقد بريت بروين، المستشار السابق في إدارة أوباما، أن “مصداقية الولايات المتحدة باتت على المحك”، مؤكدا أن تهور ترامب أدى إلى تحولات دراماتيكية قد تجعل النظام العالمي القائم على القواعد شيئا من الماضي بحلول موعد مغادرته منصبه في يناير 2029.










