رئيس الوزراء العراقي يؤكد أن العلاقة مع واشنطن ستتحول إلى شراكة اقتصادية ويعلن تقدماً في ملف حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد
بغداد – المنشر_الاخباري
في تطور سياسي وأمني بارز يعكس ملامح المرحلة المقبلة في العراق، قال رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إن “أي وجود لفصائل مسلحة خارج إطار الدولة لم يعد له مبرر بعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من البلاد”، مؤكداً أن العراق يدخل مرحلة جديدة تتطلب تعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها الأمنية الرسمية.
وجاءت تصريحات الزيدي خلال مقابلة خاصة مع شبكة “سكاي نيوز عربية”، من المقرر بثها قريباً، وهي أول ظهور إعلامي موسع له منذ توليه رئاسة الحكومة قبل نحو 23 يوماً، حيث قدّم خلالها ملامح رؤيته للمرحلة السياسية والاقتصادية المقبلة.
نهاية المبررات العسكرية وبداية مرحلة الدولة
وأوضح رئيس الوزراء العراقي أن استمرار وجود أي تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة كان يرتبط بظروف أمنية وسياسية سابقة، إلا أن تلك الظروف -بحسب قوله- “تتغير جذرياً مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية”، ما يعني أن الدولة العراقية أصبحت قادرة على تحمل مسؤولياتها الأمنية بشكل كامل دون الحاجة إلى قوى موازية.
وأضاف الزيدي أن “مفهوم المقاومة المسلحة لم يعد يجد له مبرراً في السياق الحالي”، مشيراً إلى أن العراق يسير باتجاه تعزيز سيادة القانون وبناء مؤسسات أمنية احترافية قادرة على فرض الاستقرار في جميع أنحاء البلاد.
تقدم في ملف حصر السلاح بيد الدولة
وفي ما يتعلق بملف السلاح، كشف رئيس الوزراء العراقي أن حكومته حققت تقدماً ملموساً في مسار حصر السلاح بيد الدولة، موضحاً أن “معظم الفصائل بدأت بالفعل خطوات عملية لتسليم أسلحتها إلى المؤسسات الرسمية”.
وأكد الزيدي أن هذه العملية تتم ضمن إطار وطني يهدف إلى إعادة تنظيم المشهد الأمني، وتقليل التوترات الداخلية، وتعزيز قدرة الدولة على فرض القانون، لافتاً إلى أن هذا الملف يعد من أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة.
وأشار إلى أن الحكومة تعمل على وضع آليات واضحة تضمن دمج العناصر المسلحة السابقة ضمن مؤسسات الدولة أو إعادة تأهيلها اجتماعياً واقتصادياً، بما يضمن استقراراً طويل الأمد ويمنع عودة التوترات المسلحة.
تحول في العلاقة مع الولايات المتحدة
وفي جانب آخر من المقابلة، تحدث الزيدي عن مستقبل العلاقات العراقية الأميركية، موضحاً أنها “تدخل مرحلة جديدة بالكامل” بعد سنوات من التركيز على التعاون العسكري والأمني.
وقال إن العلاقة بين بغداد وواشنطن ستتحول تدريجياً إلى “شراكة اقتصادية واستثمارية وتنموية”، تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا والتعليم، بعيداً عن الطابع العسكري الذي طغى خلال السنوات الماضية.
وأضاف أن هذا التحول يعكس رغبة العراق في إعادة صياغة موقعه الإقليمي والدولي، بما يخدم مصالحه الاقتصادية ويعزز استقلال قراره السياسي.
مكافحة الفساد أولوية حكومية
وتطرق رئيس الوزراء العراقي أيضاً إلى ملف الفساد، مؤكداً أنه يمثل “التحدي الأكبر أمام الدولة العراقية في المرحلة الحالية”.
وأوضح أن حكومته بدأت بالفعل في تنفيذ سلسلة من الإجراءات الإدارية والرقابية داخل مختلف الوزارات والمؤسسات الحكومية، بهدف “تجفيف منابع الفساد وإعادة الثقة بين المواطن والدولة”.
وأشار إلى أن مكافحة الفساد لا تقتصر على الإجراءات القانونية فقط، بل تشمل إصلاحاً إدارياً شاملاً وتحديثاً للأنظمة المالية والرقابية، إضافة إلى تعزيز الشفافية في إدارة الموارد العامة.
سياق سياسي وأمني معقد
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه العراق تحولات حساسة على المستويين السياسي والأمني، خاصة مع اكتمال انسحاب القوات الأميركية، وما يرافقه من نقاشات داخلية حول مستقبل السلاح خارج الدولة ودور الفصائل المسلحة.
كما تتزامن هذه التطورات مع جهود حكومية لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل تحديات تتعلق بالبطالة والخدمات العامة والبنية التحتية.
ويرى مراقبون أن تصريحات الزيدي تعكس محاولة لإعادة صياغة التوازن بين الدولة والقوى المسلحة، بما يضمن تعزيز سلطة الحكومة المركزية، مع تجنب أي تصعيد داخلي محتمل.
اختبار حقيقي لسلطة الدولة
ويعتبر ملف حصر السلاح من أبرز التحديات التي واجهتها الحكومات العراقية المتعاقبة، إذ ظل مرتبطاً بتوازنات سياسية وأمنية داخلية وإقليمية معقدة.
ويرى محللون أن إعلان رئيس الوزراء عن تقدم في هذا الملف يشير إلى وجود إرادة سياسية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يواجه اختبارات صعبة على أرض الواقع، تتعلق بقدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة دون مواجهات أو اضطرابات.
نحو مرحلة جديدة في العراق
وبحسب تصريحات الزيدي، فإن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على بناء الدولة الاقتصادية، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع الشراكات الدولية، إلى جانب تعزيز الاستقرار الأمني الداخلي.
وأكد أن الحكومة العراقية تسعى إلى “إغلاق مرحلة طويلة من الاعتماد على الحلول العسكرية”، والانتقال نحو نموذج دولة مستقرة تعتمد على الاقتصاد والقانون والمؤسسات.
بهذا، تبدو ملامح السياسة العراقية الجديدة متجهة نحو إعادة تعريف دور الدولة، في ظل تحولات إقليمية كبرى، وتوازنات دقيقة تتطلب إدارة سياسية وأمنية عالية الحساسية.










