تواصل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطواتها المتسارعة لإعادة تشكيل القيادة العسكرية العليا في الولايات المتحدة، بعد إقالة أو إحالة أكثر من 20 جنرالاً وأميرالاً بارزاً إلى التقاعد خلال نحو 15 شهراً الماضية. وأثارت هذه القرارات غير المسبوقة في حدتها جدلاً واسعاً وعميقاً داخل الأوساط العسكرية والسياسية في واشنطن، وسط مخاوف حقيقية أطلقها خبراء إستراتيجيون بشأن مستقبل العلاقات الحساسة بين القيادة المدنية والمؤسسة العسكرية الأكبر والأكثر نفوذاً في العالم.
وكان أحدث المسؤولين الكبار الذين شملتهم مقصلة الإقالات المفاجئة هو الجنرال كريس دوناهو، قائد الجيش الأمريكي في أوروبا وأفريقيا وقائد القوات البرية التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، رغم أنه كان يُنظر إليه على نطاق واسع داخل أروقة البنتاغون باعتباره أحد أبرز المرشحين الأكفاء لتولي قيادة الجيش الأمريكي مستقبلاً. ومن المقرر أن يسلم دوناهو مهامه القيادية الحيوية خلال مراسم رسمية تُقام في ألمانيا مطلع يوليو المقبل، وسط ترجيحات شبه مؤكدة بتقاعده النهائي من الخدمة العسكرية، ما لم يقبل بمنصب أدنى رتبة.
خطة “هيغسيث” لإعادة هيكلة البنتاغون والتخلص من الترهل
وفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية، فإن هذا القرار الجذري يأتي ضمن خطة إستراتيجية وطموحة يقودها وزير الدفاع بيت هيغسيث لإعادة هيكلة القيادة العليا للقوات المسلحة الأمريكية برمتها. وتشمل هذه الإجراءات الحازمة ما يلي:
خفض إجمالي عدد الجنرالات والأدميرالات في كافة الفروع بنسبة 10%.
تقليص المناصب العسكرية القيادية الرفيعة ذات “الأربع نجوم” بنسبة 20%.
خفض عدد كبار ضباط الحرس الوطني بالنسبة ذاتها (20%).
وتؤكد الإدارة الأمريكية أن الهدف الأساسي من هذه الهيكلة يتمثل في تعزيز الجاهزية القتالية المباشرة، وتقليص ما تصفه بـ”الهياكل القيادية الزائدة والمترهلة” داخل القوات المسلحة. في المقابل، واجهت هذه الخطوات انتقادات لاذعة من قادة عسكريين سابقين وأعضاء بارزين في الكونغرس، الذين حذروا من أن الإقالات المتكررة ستؤدي حتماً إلى فقدان خبرات ميدانية وإستراتيجية تراكمت عبر عقود، وتراجع الروح المعنوية، فضلاً عن تعميق الانطباع بأن الاعتبارات والولاءات السياسية أصبحت المحرك الأساسي لمستقبل الضباط.
قائمة الرؤوس الكبيرة المستبعدة من الخدمة
منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، شهدت القيادة العسكرية موجة تطهير وتغيير هي الأكبر في التاريخ الأمريكي الحديث، حيث طالت الإقالات والإحالات القسرية للتقاعد أسماء رنانة شملت:
الجنرال تشارلز براون (رئيس هيئة الأركان المشتركة).
الأدميرال ليزا فرانشيتي (رئيسة العمليات البحرية).
الجنرال راندي جورج (رئيس أركان الجيش).
الجنرال جيمس سلايف (نائب رئيس أركان القوات الجوية).
الفريق جيفري كروز (مدير وكالة استخبارات الدفاع)، بالإضافة إلى عدد من كبار المستشارين القانونيين.
تحذير خماسي للكونغرس: دفع غياب التفسيرات الرسمية والتفصيلية لمعظم هذه القرارات خمسة وزراء دفاع سابقين، خدموا في إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، إلى توجيه رسالة مشتركة ومغلظة للكونغرس، محذرين فيها من تداعيات ما وصفوه بـ”عمليات إقالة متهورة وغير مدروسة” قد تعصف بالأمن القومي الأمريكي في وقت حساس.
تسييس المؤسسة وإلغاء إرث إدارة بايدن
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن حملة إعادة الهيكلة الشرسة هذه لا تنفصل عن توجهات إدارة ترامب الواضحة لإلغاء السياسات المرتبطة ببرامج “التنوع والمساواة والشمول” (DEI) التي كانت قد اعتمدتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن بصرامة. وتعتبر الإدارة الحالية أن تلك السياسات أثرت سلباً على الروح القتالية وجاهزية القوات المسلحة وانحرفت بها عن مسارها العسكري الأساسي، بينما يرى المنتقدون أن استهداف الضباط الذين ارتبطوا بتطبيق تلك البرامج يفتح الباب على مصراعيه لتسييس المؤسسة العسكرية العريقة، وربط الترقيات بالولاء الأعمى للتيار السياسي الحاكم عوضاً عن الكفاءة والخبرة الميدانية.
الصلاحيات الدستورية الحاكمة والسوابق التاريخية
من الناحية القانونية والتنفيذية، يمنح الدستور الأمريكي الرئيس صلاحيات مطلقة وواسعة بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، بما يتيح له قانوناً إعفاء كبار القادة العسكريين أو إعادة تعيينهم وفق رؤيته. وقد رسخت المحكمة العليا هذا المبدأ بشكل قاطع منذ عام 1926، عندما أقرت بحق الرئيس في عزل مسؤولي السلطة التنفيذية دون الحاجة المسبقة لموافقة مجلس الشيوخ. ويحفل التاريخ الأمريكي بسوابق بارزة ومماثلة استندت لهذا الحق:
إقالة الرئيس أبراهام لينكولن للجنرال جورج ماكليلان الشهير خلال أتون الحرب الأهلية الأمريكية.
إعفاء الرئيس هاري ترومان للجنرال التاريخي دوغلاس ماك آرثر أثناء الحرب الكورية، تفادياً لتصعيد غير مرغوب وحفاظاً على مبدأ خضوع الجيش الكامل للسلطة المدنية.
الجدل حول الكفاءة والولاء في توقيت دولي حرج
لا يتوقف الجدل الحالي عند حدود النصوص القانونية والدستورية، بل يمتد بظلاله إلى صلب العقيدة العسكرية الاستقلالية. ويحذر قطاع عريض من الخبراء من أن الاعتماد على معيار الولاء السياسي في اختيار قادة الجيوش يضعف استقلالية القرار العسكري، ويمنع الضباط من تقديم تقييمات مهنية صادقة ومستقلة لصناع القرار في الأزمات. ويستند هؤلاء إلى نظرية عالم السياسة صموئيل هنتنغتون، التي تؤكد أن ضمان السيطرة المدنية الناجحة على الجيش يتطلب الحفاظ على احترافيته المهنية التامة واستقلاله، مع خضوعه التام والمنضبط في رسم الإستراتيجيات العليا فقط.
وتثير هذه الهزة القيادية المستمرة تساؤلات مقلقة داخل الأوساط الإستراتيجية الدولية حول مدى انعكاس الإقالات على جاهزية واستقرار الجيش الأمريكي، لا سيما في ظل تصاعد حدة المنافسة الجيوسياسية والتكنولوجية مع الصين، واستمرار التوترات والحروب الساخنة في أوروبا والشرق الأوسط؛ حيث يرى الخبراء أن تجريد الجيش من قادته المخضرمين دفعة واحدة قد يحرم واشنطن من عقول إستراتيجية فذة في توقيت دولي شديد الحرج والخطورة.








